نصائح محمد كريشان

معن البياري
معن البياري
2020/11/14 الساعة 04:31 صباحاً

ليس العنوان أعلاه دقيقا تماما، لأن المذيع الشهير، محمد كريشان، في كتيّبه البالغ الكثافة (42 صفحة)، العالي القيمة، "مذيع الأخبار التلفزيونية" (معهد الجزيرة للإعلام، 2020)، لا يقدّم نصائح لمذيع نشرات أخبارٍ في أي تلفزيونٍ يريد أن يتقن أداءه، وإنما هي نصيحةٌ واحدةٌ، تعقبها حزمةٌ من الشروط (أو الاستحقاقات لو أردنا شيئا من التفلسف؟)، على هذا المذيع (والمذيعة بطبيعة الحال) أن يلبيها، لينجح في حضوره، ويُحرز ارتياح مشاهديه ومستمعيه لإطلالته. أما لو أراد من أراد أن يعدّ هذه الشروط نصائح هي الأخرى، فله ذلك تسامحا. النصيحة التي يبسُطها مذيع قناة الجزيرة وأحد نجومها أن عليكَ، إذا ما كانت لديكَ الرغبة في أن تصير مذيع أخبار تلفزيونية أن تعرف أن رغبتك هذه غير كافية، وأن قدرتك شرطٌ مستحق، ذلك أن "المسألة درايةٌ واختصاصٌ ومزاجٌ وشخصيةٌ تلائم وتناسب هذا الميدان ولا تناسب غيره". وطيّبٌ في الكتيّب (لمَ لا نسمّيه كتابا؟)، أنه يُختَتَمُ بخلاصةٍ توجز ما في صفحاته القليلة من متطلّبات اختبار هذه القدرة، وموجباتٍ على مذيع (مذيعة) الأخبار التلفزيونية أن يحقّقها في شخصه. ولعل العبارة التي طوى فيها الكتاب صفحاتِه أوفت ووفّت، فكانت إيجازَ الإيجاز في هذه الخلاصة، "الكل يغني، والكل قد يذهب في ظنّه أنه مغنٍّ جيد، ولكن شتّان بين المطرب والمؤدّي، وبين المغنّي الحقيقي ومن هو دون المستوى".

الزميل السابق في الصحافة المكتوبة، سنواتٍ قبل أن يصبح المذيع الذي نعرف، لم يشحط الذئب من ذيله، في كتابه، فقد جال على مسائل ربما تُحسب بديهياتٍ في العمل التلفزيوني، غير أنه أجاد عرض هذه التي يحسَبُها بعضُنا بديهيات، ووازاها بما هو غير مشهور وشائع من تفاصيل في أداء مذيع الأخبار (يرويها ولا يقرأها، كما تعبيره الحاذق)، واتّسقت هذه مع تلك بطوافٍ طيّبٍ في مسائل جوهرية في عمل هذا المذيع، سيما وأنه أيضا يحاور في نشرات الأخبار (والبرامج) ذوي صلةٍ بموضوعاتها. وإذ يلتزم الكتاب بحدوده عن مذيع الأخبار التلفزيونية، ولا يتجاوزها، فإن الانتباهات والشواهد والأمثلة والمفارقات الوفيرة فيه (على قلة صفحاته) دلّت على ما تُسلِّح به الخبرةُ صاحبَها من كفاءةٍ واقتدار، سيّما عندما لا تكون هذه الخبرة مجرّد سنواتٍ عديدةٍ في هذا العمل أو ذاك (صحافيون وإعلاميون عرب يتفاصحون علينا بسنوات عملهم المديدة، ويبيعونها لنا خبرةً، فيما هم بلا لون أو ميزة، وركيكون وأقل من عاديين). ولا أجامل محمد كريشان، عندما أزعم هنا إنه من نوعٍ نادرٍ من بين أهل الشاشة التلفزيونية العربية، في حقل الأخبار والبرامج الحوارية السياسية، وقد حاز، في استفتاءاتٍ واستطلاعاتٍ عربيةٍ، المنزلة الأولى لدى المشاهد العربي، قبل أن يستجدّ الاستقطاب الإعلامي الراهن، المتوتر والموتور.

يُسعف الكتاب المشتغلين بالإعلام، التلفزيوني الإخباري خصوصا، بإضاءاتٍ لها قيمتها، ويُنجد العاملين في ميدان التدريب في هذا الحقل. وإلى هذه الإفادة وتلك، يسعَد به القارئ الذوّاقة، بالمعنى العام، فالناس في العموم يشاهدون نشرات الأخبار وبرامجها، ولكثيرين منهم أمزجتهم وأفضلياتهم بشأن هذا المذيع أو ذاك، على هذه الشاشة أو تلك. ولهم أحكامهم التي يرون فيها هذه المذيعة أفضل من تلك، وذاك المذيع أكثر كفاءة من ذاك. وهنا، يجوز حسبان الكتاب، المنوّه به في هذه السطور، عابرا للأمزجة والأعمار، يستطيب فيه قارئُه (متوفر في الموقع الإلكتروني لمعهد الجزيرة للإعلام) بساطتَه الضافية، وعدم إغفاله أي مسألةٍ في أداء مذيع الأخبار التلفزيونية، عندما يريد أن يكون موفّقا، ناجحا، مريحا، جذّابا. ولكي يكون هكذا، يلزمه أن يتثقف، أن يعرف، أن يتابع شؤون السياسة ومستجدّاتها، أن يقرأ. أن يتقن اللغة العربية، نحوا وتعبيرا، ونطقا، ويؤدّي مخارج الحروف جيدا. أن يحرص على مظهر حسن. أن يقرأ النصوص، عارفا بالوقفات والفواصل والتلوينات والنغمات فيها، ولوزام التوكيد فيها. أن يعرف تماما متى يبتسم إذا استطاب هذا، وأين لا يفعل، وأين لا يجوز له أن يفعل. أن لا يستخفّ بأي شأن. أن يكون صوتُه حسنا، وصاحب حضورٍ وقبولٍ و"طلّة". أن لا يتعالم على من يحاوره. أن يستعدّ لكل نشرةٍ أو مقابلةٍ فلا يعتدّ بدرايته السابقة. أن يشعر بالوقت، وأن يحترف الإيجاز والتكثيف والمباشرة والوضوح .. وقبل هذا كله وبعده، أن يتوفّر على الموهبة والكفاءة، لا الحماس والرغبة وشهوة الجماهيرية والنجومية. ثم أن لا يكتفي بقراءة هذه المقالة التي توجِز، وكل إيجازٍ مخلٌّ غالبا، وإنما أن يعمل بنصائح محمد كريشان.