آخر الأخبار :

ليس للحربِ وجهٌ أنثوي

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
2020/11/14 الساعة 05:51 مساءً

"لقد حدثت آلاف الحروب، ولكن ما كُتب عنها أكثر مما حدث منها. كثيرون كتبوا عن الحرب، لكنهم رجالٌ كتبوا عن رجال. وهذا ما أدركتُه على الفور. كلّ ما نعرفه عن الحرب نعرفه من خلال "صوت الرجل". ونحن جميعًا أسرى تصوّرات الرّجال وكلماتهم وأحاسيسهم عن الحرب. أما النّساء فيلُذن بالصّمت، ولم يسأل أحد عن ذلك باستثنائي أنا. حتى النّساء اللواتي كنّ في الجبهة يلُذن بالصّمت. وإذا بدأن بالحديث، فهن يتذكّرن حرب (الرّجال) لا حرب (النّساء)". 

بهذه المقدمة، تُلفت سفيتلانا أليكسييفيتش انتباهنا إلى أنّ "لحرب النساء ألوانها، وروائحها، وأضواءها الخاصّة، ومساحات مشاعرها المميزة .. إنّها تخلو من الأبطال والمآثر القتالية، التي لا تُصدَّق. فيها، لا يشعر النّاس وحدهم بالألم والمعاناة، بل الأرض أيضًا، والطيور والأشجار .. إنهم يتألمّون بدون كلمات". لهذا قرَّرت سفيتلانا أنّها تريد "كتابة تاريخ هذه الحرب، حرب النّساء". وتبدأ الاستماع لنساء "لا يتذكّرن أنفسهن، بل فتياتٍ أخريات. ويشعرن بالذّهول من أنفسهن. وعلى مرأى منّي "يتأنسنُ" التاريخ، ويغدو شبيهًا بالحياة العادية. وتظهرُ إضاءة أخرى": "أعطَونا أكياسًا قماشية فخِطنا منها تنانير"، "دخلتُ إلى مديرية التّجنيد بفستان وخرجت من باب آخر بسروال وبلوزة"، "أطلقَ الألمان النّار على القرية وذهبوا. .. وصلنا إلى هذا المكان المداس بالرّمل الأصفر، وعلى السّطح فردة حذاء طفل...".

هذه فقرات من كتاب "ليس للحرب وجه أنثوي"، الروائية البيلاروسية، سفيتلانا أليكسييفيتش، الفائزة بجائزة نوبل للآداب (2015)، وأثار فوزها جدلًا كبيرًا آنذاك مثل الذي حدث الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) مع فوز الشاعرة الأميركية لويز غليك .. لم تكونا وحدهما اللتين أثارتا الجدل من الفائزين، لكنّهما آخر من فعلتا من النّساء. وعلى غير عادتي، أجدني أتحدّث عن كاتبات يجمعهن الجنس نفسه، وهو الوحيد الذي يجمع غالبًا الكاتبات، عدا ذلك هنّ مختلفات معظم الوقت، بالشّكل نفسه؛ الذي يختلف فيه رجل عن آخر فيما يكتبان.

بمحض المصادفة، وجدتني هذه الأيام أعود وأقرأ كتاب "ليس للحرب وجه أنثوي"، بعد أن أجّلته كثيرًا. بهرتني الصّفحات الأولى بعبقريتها المتعدّدة؛ عبقرية الموضوع، وعبقرية اللّغة والأسلوب. ولكن سيتراجع لاحقًا مستوى اللّغة والأسلوب، وتنشغل الكاتبة بالموضوع، والمحافظة على أصالة كلمات نسائها اللّواتي يحكين ما لم يُحكَ. عشراتُ العشرات من القصص والحيوات، تروي فيها نساء عن الحرب من وجهات نظرهن، طازجة، وغير مستهلكة بل وغير مسبوقة، وهذه عبقرية وزاوية بالغة الطراوة، وغير مسبوقة الحجم والكثافة، من الرّوسيات والأوكرانيات اللواتي كان عليهن الذّهاب إلى الجبهة لمحاربة الجيش الألماني، و"عليهن" هذه تشير إلى من ذهبن رغمًا عنهن، أو تطوّعن لشعور غامر بالتّضحية، في موجة وطنية استغلها ستالين في مواجهة الجيش النازي.

معظمُهن ذهبن إلى الحرب في عمر يقلّ عن العشرين، بأجسادٍ نحيفة، وأرواح قوية، تغلّبت على العراقيل التي واجهت مسارهن الحربي، ابتداء من أبسط الأشياء؛ وهي غياب ملابس وأحذية بمقاساتهن، فكانت الفتاة صاحبة مقاس الـ 35 ترتدي مقاس الـ 42، إلى أعقدها، وهي القتال ببنادق يفوق حجمها أحجامهن.

لعل قصص الرّجال عن الحرب تتشابه في تفاصيلها، لأن الرّجال لا ينتبهون غالبًا إلى التّفاصيل، لكن كم تختلف قصص النّساء عن الحرب، مع اختلاف التفاصيل التي تشكّل جوهر كل قصة. في هذا النّموذج، حاولت الكاتبة أن تعبر عن لغة النّساء، بشكل حصري ورافض تدخل الرجال، فهي كانت ترفض تدخل أزواج بطلاتها الذين حضروا الحرب أيضًا في الأحداث. في هذا المستوى، يمكن أن نطلق على هذه الكتابة صفة "نسوية"، لأنها لا تحكي عن الحرب إلا من وجهة نظر النساء في موضوع محدّد، من زوايا متشابهة.

يُلاحظ طغيان لغة المرأة بشكل عميق لا يمكن عدم الانتباه له، فالسّاردات نساء لم ينلن نصيبًا كبيرًا من التعليم، وبالتالي احتفظن بلغتهن الفطرية التي لم تختلط بلغة عامة سبكها الرجل. فأكثر ما تواجهه الكاتبات من تعقيداتٍ في الكتابة إجبارهن على العمل ضمن الشّروط اللّغوية التي وضعها الرّجل في الأصل، كونه يهيمن على اللّغة، بفعل تكريس الهيمنة الذكورية على المجتمعات. وتُنشئ هذه الحالة خطابًا تسمّيه إلين شوولتر "الخطاب ثنائي الصوت". وهو ما تشرحه قائلة إن "المرأة أنثى وترفض الخطاب الأنثوي في آنٍ واحد، فهي تخلق في رواياتها عالمًا وترفض هذا العالم ذاته، من خلال فعل الكتابة السلطوي الذي يعدّ فعلا ذكوريا، لامتلاك الرّجل خطاب اللغة".

وفي هذا العمل، يمكن الوقوف على نموذج مختلف عن هذا، ونموذج نادر لم تضطرّ فيه الكاتبة للقبول بـ "مهنة الاقتطاف"، باستعمال "أدوات الرجل نفسها لمقاومة هيمنته"، فتُعبّر بلغة الرّجال، وتعابيرهم وتجاربهم عن الكون والحياة والحروب والموت والحياة، وحتى الحب. بهذه الاستعارة للُغة ذكورية، تمنع المرأة نفسها من اكتشاف نفسها، ونظرتها إلى العالم التي تختلف عن وجهة نظر الرجل، سواء في التفاصيل أو في هيكلها. والنساء، في نظر سفيتلانا، عندما يحكين عن الحرب، تشعر "كأنهن يستخرجن الكلمات من ذواتهن، من أنفسهن، وليس من الصّحف والكتب المقروءة. إنهن يستخرجنها من آلامهن ومعاناتهن الشّخصية". "فالحرب معاناة حميمة جدًا. وهي تجربة بلا نهاية، كحياة الإنسان ..". "ما زلتُ أذكر أننا كنا ننسحب، نتراجع، كل شيء أسود، الدخان يغطي السّماء .. ولا أدري لم رغبتُ في شراء حذاء .. أذكر أنني ركضت من المخزن فرحة بالحذاء، بينما الدخّان يغطي كل شيء .. وأصوات الانفجارات والقذائف .. لقد كنت في الحرب وشاركتُ فيها، لكنني لم أرغب أبدًا في التّفكير فيها ..".

الحرب من وجهة نظر أنثوية يمكن التّعبير عنها بما قالته إحدى المحاربات السابقات، إن أسوأ ما حدث هناك ليس الموت الذي كان يحيط بها، أو اضطرارها للقتل الذي تحرص كل الساردات على نكرانه، كأنه لم يحدث، بل تعرّضها للسخرية من الجنود الرجال في أول التحاقها بالفيلق، إضافة إلى اضطرارها لارتداء ملابس داخلية رجالية؛ فالدولة لم تكن تضع بالحسبان أن تستعين بالنّساء في الحرب، ولم تكن هناك ملابس أو معدّات صالحة للاستخدام الأنثوي، لذا كان على النّساء ارتداء ملابس الرّجال وخوض المعارك بها، إلى أن تمّ إعداد نسخ نسوية من ملابس الجنود، ولم تعد الحرب أو قصصها، منذئذ حكرًا على الرّجال.