البحث عن الكرامة في قصر باكنغهام

رشا عمران
رشا عمران
2020/11/21 الساعة 04:13 مساءً

اقتحم رجل في الثالثة والثلاثين من عمره، يدعى مايكل فاجان، في عام 1982، قصر باكنغهام في قلب لندن، والمراقب على مدى الأربع والعشرين ساعة. ودخل بالتحديد إلى غرفة نوم الملكة إليزابيت الثانية. كان ذلك في الصباح الباكر لأحد الأيام نادرة الغيوم في لندن، ما جعل الملكة تستيقيظ، ما إن فتح المقتحم ستائر الغرفة، ودخل الضوء إلى عيني الملكة الغافية. وبعدما يتجاوز الثلاثة عقود، تحدث مايكل فاجان إلى صحيفة إيسيلينجتون جازيت، قائلاً إنه لم يكن يعرف أنه في غرفة نوم الملكة، وإنه انسحب بهدوء، ما إن استيقظت ورأته، من دون أن يجري أي حوار معها. ويتابع: إنه كان يمشي بدون أية ضجّة، بسبب فقدانه حذاءه على سطح القصر، حين بدأ في الاقتحام. كانت هذه رواية الصحيفة عن الحادثة، نقلاً عن فاجان نفسه، والذي تفيد تقارير بأنه كان يعاني من الاضطراب النفسي، بسبب انفصاله عن طليقته، وأن الاضطراب استمر معه وقتاً طويلاً، على الرغم من دخوله المصح.

بيد أن لصناع مسلسل "التاج"، ويعرض حالياً في موسمه الرابع على شبكة نتفليكس العالمية، رأي آخر، قد يكون أقرب إلى الواقع من القصة التي روتها الصحيفة على لسان المقتحم. في قصة الصحيفة، لا يبدو أن هناك أي منطق في اقتحام القصر، فالرجل لم يتحدث مع أحد، ولم يسرق شيئاً، ولم يحاول الاعتداء على أحد، بينما ثمّة تسلسل منطقي للواقعة في رواية المسلسل، وإنْ يتطلب العمل الدرامي هذه المنطقية المثيرة للاهتمام. في المسلسل، يعاني مايكل فاجان من اضطراب نفسي فعلاً، سببه ليس انفصاله عن زوجته فقط، بل فقدانه عمله، وعجزه عن إيجاد عملٍ بديل، يمكّنه من الإنفاق على أولاده الذين أوصت المحكمة ببقائهم مع والدتهم العاملة.

كان هذا في الحقبة "التاتشرية" التي ميّزت التاريخ البريطاني، بسبب السياسات الاقتصادية التي اتبعتها رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المحافظين وقتها، مارغريت تاتشر، حيث طبقت قوانين الخصخصة، وشجّعت قيام السوق الاقتصادي الحر، ما نتج عنه وجود ما يزيد عن مليوني عاطل عن العمل، وجدوا أنفسهم فجأة في العراء، بسبب تلك السياسة التقشفية، في وقتٍ وافقت فيه تاتشر على الدخول في حرب فوكلاند مع الأرجنتين، وخسرت فيها ما يتجاوز مليار جنيه إسترليني، على الرغم من انتصار بريطانيا واستعادة الجزر المتنازع عليها.

يحاول مايكل فاجان، في المسلسل، التحدّث مع أي مسؤول في الحكومة للحصول على عمل، حتى لم يعد أمامه سوى الملكة التي تظهر بثبات انفعالي في أثناء حديثه معها، بعد اقتحامه غرفة نومها. يطلب منها فاجان أن تتخلى عن دعم تاتشر التي ستودي سيطرتها ببريطانيا وبالملكة نفسها، على أن الحوار الأهم في مشهد المسلسل، هو حديثهما عن المجد والكرامة والحروب، "فما معنى الاحتفال بالانتصار على غرباء يبعدون آلاف الكيلومترات، بينما هناك مليونا بريطاني على شفير الجوع، وما هي الكرامة: انتصارات في حروب بعيدة تتبعها احتفالاتٌ واستعراضاتٌ كبيرة، أم مواطنون يتمتعون بحق العمل وحق الحياة وحق المرض والشفاء وحق التعليم وحق تربية أبنائهم بسلام، وحق الوصول إلى سن الشيخوخة من دون خوف من التشرّد، وحق الموت بشكل لائق، وحق الضعف والتعبير عن هذا الضعف، وحق الشعور بأن ثمّة في الوطن من يهتم بهذا الضعف ويحتضن صاحبه".

ينتهي هذا المشهد المذهل بأن تطلب الملكة الحرس، ليودع مايكل فاجان في مصحّة نفسية، يبقى فيها عدة أشهر، ويخرج ليكمل حياته، من دون أن نعرف، كيف أصبحت عليه بعد سنوات من انتهاء حكم تاتشر، ودخول بريطانيا في مراحل اقتصادية مختلفة، بينما الملكة إليزابيت، ذات الملامح الباردة برودة مناخ بريطانيا، مستمرة في قصر باكنغهام الذي تعرّض لاحقاً إلى محاولات اقتحام عديدة لأسباب مجهولة، ربما يفصح عن حقيقتها صنّاع دراما قادمون.

هل الكرامة فعلاً أكثر من مواطنين يتمتعون بإنسانيتهم بكل ما فيها من نقائض، وهل الانتصارات الكبرى سوى نتاج حروبٍ مدمّرة للبشر ولكوكب البشرية؟! ليتها تنتهي يوماً، وتتحوّل إلى عالم الخيال، وتمجد في الملاحم والأعمال الدرامية الكبرى، غير أن ما يحدث هو العكس. عالمنا الواقعي هو عالم الخراب والحروب والفخر بهما، بينما الكرامة الإنسانية تبدو حلماً بعيداً أو مشهداً درامياً في عمل نتابعه على الشاشات، ويجعلنا نفكّر بكراماتنا المفقودة، كراماتنا التي تماهت مع شعاراتٍ وطنيةٍ طنانة وجوفاء، أنتجتها حروبٌ متواصلةٌ أنهكت الحس الإنساني تماماً، لكنها بمثابة الإنعاش الدائم لصناع السياسة ومافيات المال والسلاح في العالم.