آخر الأخبار :

عن روح المخيم .. في معنى اليرموك تحديداً

سمير الزبن
سمير الزبن
2020/12/23 الساعة 06:10 صباحاً

تستطيع أن تزيل المكان، ولكن لا تستطيع أن تزيل المعنى. بالقذائف والصواريخ تزيل المكان، ولكن الروح تعطي المعنى للمكان، والعلاقة بين الصاروخ والروح هي بين إنتاج الحياة وقتلها. هذه العلاقة هي التي اخترقت علاقة مخيم اليرموك مع النظام الذي دمّر المكان، وكأن اليرموك كان الأكثر عداءً للنظام السوري، على الأقل تعامل النظام معه على هذا الأساس.

إذا أردتُ أن أُعطي تعريفًا للمخيم، وأنا ابن المكان، أقول إنه مكان بناه الغرباء على هامش المدينة، بنوه بإحساس المؤقت، بإحساس الضحية التي تتعامل بشكل خاص مع الأماكن التي تمرّ بها وتسكنها. وعادة ما تعامل عبر تطرّفين: الأول، أما أن لا ترى الضحية المكان نهائيًا، بصفتها عابرةً في مكان عابر. الثاني، أن تضفي على المكان روحها، أن تُحمِّل أجمل ما في تجربتها السابقة على المكان الجديد، وتبنيه من روحها، وهذا ما يفسّر تعلق سكان المخيم بالمكان البائس الذي سكنوه، فهم لا يرون بؤسَه، إنما يرون روحهم في المكان، غرباء بنوا مكانًا يشبههم وجبلوا طينَه بروحهم. عندما يبني الغرباء المكان، يبنونه مفتوحًا على الخارج، لأن الضحايا يبحثون عن ضحايا مثلهم، لا ليشاركونهم المكان فقط، بل ليخفّفوا الألم بعضهم عن البعض الآخر. وهذا المخيم ببيوته الضيقة كان مفتوحًا على الحارة، وعلى الشارع على المدينة وعلى البلد وعلى العالم. في كل حارات المخيم الضيقة مصاطب أمام البيوت، وهي امتداد للبيوت وأماكن استقبال الضيوف الأكثر حميميةً، هي توسيع للمكان بروح التضامن والحب والصداقة. وعلى هذه المصاطب دارت أكثر الأحاديث حميمية في المخيم، أحاديث عن الوطن المسلوب، عن الحب، عن الخيبة، عن المشكلات العائلية، عن الالتحاق بالعمل الفدائي، عن الدراسة، عن الزواج، وعن الطلاق، على هذه القطع الإسمنتية الصغيرة دارت أحاديث عن كل شيء، فقد كانت مصاطب المخيم أكثر المضافات شعبية وحميمية.

لم يحاول غرباء البلد الذين التحقوا بغرباء المخيم القادمين من خارجه تغيير معنى المخيم، حتى عندما أصبحوا أغلبية مطلقة فيه، فهم وجدوا فيه صورتهم غرباء، فحافظوا على المعنى، بتضامن غرباء المكان (السوريون) مع الغرباء القادمين من الخارج (الفلسطينيون)، والذين أصبحوا أقليةً ضئيلةً وسط بحر سوري، حافظ المكان على اسمه وعلى روحه. والمفارقة أن اليرموك الذي حافظ على روح المخيم، لم يكن مخيمًا معترفًا به من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مخيما، وهو لم يكن بحاجة لهذا الاعتراف، لأن روح المخيم انتقلت بعدوى السكن في المكان إلى الآخرين الذين أحبوا هذه الروح، فاندمجوا كجزء منها، وعزّزوها بانتمائهم بوصفهم غرباء في وطنهم إلى مكانٍ صنعه غرباء آخرون بأرواحهم. 

وفي الرحيل الأخير الذي شهده المخيم، وفي طريق الجلجلة إلى خارج المكان، لم يستطع أحدٌ أن يميّز بين الغرباء المحليين والغرباء الطارئين، لم يسأل أحد المغادرين عن هويتهم الوطنية، كانوا ضحايا لوحشيةٍ جعلتهم يعيدون تكرار التاريخ بتهجيرهم من المكان، كما هُجّر البناة الأصليين للمكان من وطنهم، ما جعلهم لاجئين، يبنون الحلم في أرض الآخرين في انتظار العودة إلى حلمهم. ولكن من ارتكب الجريمة الأولى، الغريب الذي غزا فلسطين، وطرد أهلها، قال هذا مكاني وأنتم غرباء، اذهبوا إلى الجحيم. أما من ارتكب الجريمة الثانية، فهو النظام الوطني الذي طرد الفلسطينيين والسوريين على حد سواء، ولم يسأل أحدا عن هويته الوطنية، كما طرد ملايين السوريين الآخرين من مدن سورية خالصة.

أهالي المخيم أبناء القلق، لأن تجربة اللجوء تهز اليقين وتجعل المستقبل غامضًا. لا مستقبل مضموناً للاجئ، فهو يرى تهديدًا لحياته في كل متغير يمسّه، ليس لأنه يملك ما يخاف عليه. على العكس، لأنه لا يملك ما يخاف عليه بالمعنى المادّي، لكنه يملك روح المكان التي بناها من طوب الحلم، هذا الحلم لم ينزع القلق من حياته بل زاده. لا يحنّ اللاجئ إلى المخيم بوصفه مكانًا للبؤس، بل يحنّ إليه بوصفه مستودعًا لأحلامه، صنعها في أزقته الطينية، وعلى مصاطب الحارات في ليالي الصيف المقمرة، وليالي الشتاء القارس بالقرب من مدفأة تنفث دخانها في وجهه بين حين والآخر.

لم يكن غريبًا على المكان الذي بناه غرباء احتضان الملاحقين بسبب آرائهم السياسية. انتمى بعض الفلسطينيين إلى أحزاب المعارضة السورية، لكن أغلب العاملين في الحقل السياسي في المخيم كانوا أبناء فصائل فلسطينية. هذا لم يمنع أن يلجأ كثيرون من الملاحقين السياسيين، وعلى كل طيفهم السياسي (من الإخوان المسلمين إلى أقصى اليسار الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي وحزب العمل) إلى التواري في المخيم، بوصفه مكانًا آمنًا، ولم يسجل على المخيم، أو أحد سكانه، أنه سلًّم أحد المطاردين إلى المخابرات. حلم أهالي المخيم ببلد أفضل للسوريين، حلموا بأن يكون المكان الذي يعيشون فيه أفضل، كل ذلك يقرّبهم من حلمهم. كان الحلم كلمة السر في المخيم، إذا حذفت كلمة الحلم من القاموس، تحذف معنى المخيم وروحه التي فاضت تضامنًا مع الآخرين، من دون أن ينسى سكانه أنهم ضحايا، حاولوا تحقيق حلمهم، فشلوا المرة بعد الأخرى، لكنهم لم يكفّوا عن الحلم، ولن يكفّوا عن المحاولة، لأن واحدة من الاكتشافات المفتاحية للاجئين، بما فيهم غرباء المخيم، هو الحلم، على الحلم يقتات اللاجئ، بالحلم يصنع حياته، وعلى الحلم يموت، ما لم يصل إلى حلمه. 

اعتقد الغرباء في اليرموك أنهم مؤقتون في مكان مستعار من إخوتهم السوريين، يعرفون أن المكان ليس مكانهم. لذلك فتحوا أبوابهم لأصحاب المكان القادمين من الجوار بفعل وحشية قصف النظام الذي خاض حربه ليحرّر سورية من السوريين. تقاسم الفلسطينيون والسوريون من جديد ما تقاسموه عندما اختفت فلسطين في حفرة التاريخ. 

اليرموك قصة حب بين الغرباء والمكان الهامشي في المدينة، أعادوا بناء فلسطينهم من أجسادهم الحية في هذا الحيز القصي، والتي لم يملكوا غيرها، وكانوا بحد ذاتهم وطنًا يتنقل في أوطان الآخرين... تطابقت حياة الغرباء مع بطاقة بلاستيكية مربعة اخترعتها سلطةٌ جائرة، تقول إنها "بطاقة إقامة مؤقتة للاجئين الفلسطينيين". تناسل اللاجئون لاجئين، انتموا جميعًا إلى نكبة 1948، حتى الذي ولد عام 2000 كُتب في سجلاته "لجأ إلى سورية عام 1948"، وهذا مجاز الواقع الذي تجاوز كل مجاز شعري. لم يحب الغرباء تعبير "اللاجئ" في الوقت الذي أحبوا تعبير "المخيم"، مع أن الاثنين يقولان شيئًا واحدًا. ليس لأنهم يرغبون البقاء في أوطان الآخرين، بل لأن كلمة "اللاجئ" عمّقت الجرح، وجرحت من ولد بعد اللجوء وانتمى إليه، بينما عنى تعبير "المخيم" المؤقت الفلسطيني العابر إلى الفردوس المفقود.

عندما عجنت الطائرات سكان المخيم بدمهم، أعلنت بدء قيامة لجوء كبرى. في اليوم التالي، كانوا يمشون سوية، سوريون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم، وفلسطينيون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم ومفاتيح بيوتهم في فردوسهم المفقود. عادوا ليحملوا أحلامهم في صُرر ثيابهم المربوطة على عجلٍ لرحيل جديد. وبات فلسطينيو اليرموك "المنعوفون" في كل أصقاع الأرض، يبحثون عن "مخيم" جديد ليفتحوا صُرر أحلامهم التي لا تنتهي.