آخر الأخبار :

أفق الحوار الوطني في تونس

سمير حمدي
سمير حمدي
2021/01/07 الساعة 02:02 صباحاً

بعد إعلان رئاسة الجمهورية قبولها مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل عن تنظيم حوار وطني، أصبح اهتمام الرأي العام منصبّاً حول كيفية إنجاز هذا الحوار وطبيعة المشاركين فيه والأجندات التي سيبحثها في جلساته. ففي ظل تضارب التوجهات والرؤى السياسية التي تشقّ المشهد التونسي، أصبح من الصعب رفع سقف الطموحات والآمال لحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.

من خلال تفكيك المشهد السياسي وبحث طبيعة التحالفات يمكن أن نلاحظ حالة انقسام حادّة بين القوى الفاعلة والمؤثرة في صنع القرار، فمن جهة يطالب اتحاد الشغل بحوار وطني، ولكنه يستثني قوى سياسية معينة، وتحديداً ائتلاف الكرامة، وهي الكتلة البرلمانية الرابعة في البرلمان. وفي المقابل، كان مقترح رئاسة الجمهورية إجراء حوارٍ مع استبعاد القوى المتهمة بالفساد، وهي تشير ضمناً إلى كتلة قلب تونس، القوة الثانية في البرلمان الحالي، وإحدى أهم القوى الداعمة لحكومة هشام المشيشي، بالإضافة إلى اشتراط الرئاسة مشاركة ممثلين عن شباب الجهات، وهو ما سيظل مقترحاً غامضاً، فلا أحد يدري كيف سيتم اختيار هؤلاء الممثلين، وهل المقصود بهم ناشطو التنسيقيات التي أيدت الرئيس في الانتخابات الرئاسية الماضية. أما حركة النهضة فتطالب بحوار وطني لا يقصي أي طرف، وهي في هذا تحاول إدماج حليفيها، قلب تونس وائتلاف الكرامة، ضمن أي حوار وطني مقبل. وفي النهاية، بقي الحزب الدستوري الذي يختصر موقفه في شرط واحد، وهو إبعاد حركة النهضة وائتلاف الكرامة عن الحوار حتى يشارك فيه. وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي غاية في التشظّي والتفتت، في غياب شخصية جامعة، أو تنازلات متبادلة بين القوى المختلفة، ما يعني أن الحوار، منذ البداية، يفتقد لشروط إمكانه، أعني أن يكون حواراً وطنياً شاملاً، لا يقصي أحداً في السلطة أو في المعارضة.

أما إذا تم تجاوز معضلة المشاركين، وهي بالتأكيد قضية أساسية يتوقف عليها نجاح مخرجات الحوار، فإن مضامين الحوار ستكون محل خلاف، وهو أمر يمكن أن نستشفه من تصريحات رئيس الجمهورية، قيس سعيد، إثر لقائه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، إذ صرّح بوضوح أن الهدف من الحوار هو "تصحيح مسار الثورة التي تم الانحراف بها عن مسارها الحقيقي الذي حدّده الشعب منذ عشر سنوات، وهو الشغل والحرية والكرامة الوطنية"، وهو ما يعني ضمناً عودة الرئيس للتأكيد على أفكاره السياسية المتعلقة بموقفه السلبي من الأحزاب واعتباره أنها قد انحرفت عن أهداف الثورة التونسية، والأكيد أن القوى الحزبية المختلفة المدعوة إلى الحوار لا تشارك الرئيس في توجهاته هذه. 

أي حوار سياسي بصورة عامة يقتضي جملة من الشروط البنيوية، حتى يحقق الغاية منه، أهمها أن يكون حرّاً، أي ألا يكون مقيداً بجملة من الشروط أو خاضعاً لأشكالٍ من الضغط، فالحوار الحقيقي هو الذي يسمح لمجموع الآراء المتنازعة بالتقابل، للوصول إلى نقطة لقاء مشتركة على الأقل في الحد الأدنى الممكن، وهو ما لا يبدو متوفّراً في مقترح المبادرة الحالية، في ظل حالات الإقصاء المتبادل. وينبغي أن يكون الحوار متكافئاً، وهو ما يقتضي الاعتراف بالآخر، بوصفه طرفاً مساوياً، لأن أي عملية حوارية تتخذ من المصلحة الوطنية مقصداً تستلزم نقاشاً بين أطراف مختلفة تتمتع بالقيمة نفسها، وكل منها في وضع متكافئ من أجل تجنب حالات الإخضاع، وهو ما يفرض، على سبيل المثال، أن يعلق صاحب المبادرة (اتحاد النقابات) دعواته إلى الإضرابات العامة والقطاعية على الأقل، من أجل إيجاد حالة من الانفراج التي تسمح بإنجاح لقاء القوى السياسية والاجتماعية على صعيد واحد. وأخيراً، ينبغي أن يكون الحوار مثمراً، وإلا فما معنى أن يكون الحوار مجرد كلماتٍ تقال، لتمضي من دون أثر، فالحوار، في حد ذاته، ليس غاية، وإن كان قوام كل لعبة تواصلية بين القوى المختلفة، وإنما يهدف إلى شكلٍ من الوفاق البعيد عن منطق الإملاءات، ومن دون إلغاء الاختلاف الذي يظل جوهرياً في كل ممارسةٍ ديمقراطيةٍ تقوم على التعدّد وتحترم التنوع.

غير أن المواقف التي تُبديها القوى المختلفة على الأقل في المرحلة الحالية لا تنبئ عن توافقات ممكنة، أو عن تحقيق نجاح واضح للحوار المقبل، حتى في صورة انعقاده بشكل منقوص ومجتزأ، فأفق الصراع السياسي في تونس ما زال مفتوحاً على احتمالات متعدّدة، وأن منطق المغالبة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك لا يمكنه أن يتحقق فعلياً، مهما حرص أصحابه على الظهور بمظهر القوة الكبرى والأهم في البلاد، وليس أمام الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية ومراكز السلطة المتجسّدة في الرئاسات الثلاث، إلا التوافق على حلول مرحلية في انتظار تعديل آليات الانتخاب وتشكيل المحكمة الدستورية، وهو ما سيسمح للديمقراطية التونسية الناشئة بمزيد التجذر، وأن يشتد عودها في ظل حالةٍ من عدم الاستقرار التي تلف المنطقة.