آخر الأخبار :

عن ’’غزوة‘‘ الكابيتول ومفاعيلها

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2021/01/13 الساعة 05:21 مساءً

يحفظ الأميركيون اللاتينيون نكتة ساخرة، مفادها أن تلميذاً سأل معلمه: لماذا لا يحدث انقلاب في الولايات المتحدة؟ أجابه المعلم: لأنه لا توجد سفارة لأميركا في واشنطن.

هذه المرّة، تنقلب الصورة، إذ يُقْدم رئيس الولايات المتحدة نفسه على محاولة قيادة "انقلابٍ"، مع سبق الإصرار والترصد، وغرضه البقاء رئيساً لولاية ثانية، وربما مدى الحياة إذا ما كان فكّر في أن يجعل من حكامنا الذين يتمسّكون بكراسيهم إلى آخر العمر قدوة له، وقد يكون قد فكّر مثلهم أيضاً في أن يهيئ من يخلفه بعد موته، ابنته إيفانكا مثلاً، المهم ألا يحتل الكرسي "الذهبي" بعد رحيله أحد من خارج العائلة.

مثل هذه الخطط "الجهنمية" يمكن أن تحدث في دولة من العالم الثالث المبتلى بحكامه. ولكن أن تخطر في رأس رئيس الدولة العظمى، والتي يفترض أنها تعتنق "الديمقراطية" في أفضل تجلياتها، فذلك أمرٌ كان يعدّه بعضهم من قبيل المحال، قبل أن يصل "تاجر العقارات" و"نجم تلفزيون الواقع"، دونالد ترامب، في لحظةٍ مجنونة، إلى منصب "رئيس الدولة"، وإذا به عندما تخذله الصناديق بعد سنوات أربع، بدلاً من أن يحزم حقائبه، ويحمل أوراقه، ويخرج سالماً من البيت الأبيض، يعطي إشارة البدء لأنصاره من قوى اليمين المتطرّف للشروع بغزو الكابيتول، حيث يجتمع المشرّعون للتصديق على انتخاب خليفته: "لن نتخلّى عن حقنا، فقد سرق اليساريون الراديكاليون فوزنا.. تحرّكوا بسرعة وقاتلوا بهمة أكبر.. توجهوا إلى الكابيتول.. هذا وقت القوة.. سنستعيد بلدنا!"، ولعله استنسخ عباراته تلك من لغة الانقلابيين التي اعتدنا سماعها في بلداننا، وهذا ما حدث بالفعل، إذ توجه أنصاره إلى الكابيتول (مقر الكونغرس) واقتحموه، وخرّبوا وحطموا مكاتب مشرّعين، وسرق بعضهم ما خفّ حمله، واحتلّ أحد "الغوغاء" كرسي الرئاسة قبل أن يستطيع رجال الأمن السيطرة على الموقف. وخلّفت هذه "الغزوة" قتلى وجرحى، واعتبرها عديدون بمثابة تنفيذ انقلابٍ يهدف إلى اغتصاب السلطة بالقوة، للمرّة الأولى في التاريخ الأميركي. في حينها كان مصمّم "الغزوة" وراعيها ترامب يتابع مشاهد الاقتحام عبر الشاشات مع أسرته، وهم يضحكون ويمزحون على النحو الذي نقلته "فيديوهات" مواقع التواصل. ولكن السحر انقلب على الساحر، إذ تحقق إجماع داخل المؤسسة السياسية على أن تهديداً محدقاً بأميركا يوشك أن يحدُث، وتنادى الجميع إلى وقف الكارثة، وبينهم أعضاء بارزون في الحزب الجمهوري.

سعى ترامب في مواجهة ذلك إلى أن ينجو بجلده. أنحى باللائمة على رجاله الذين قاموا بالهجوم، وتعهد بمعاقبتهم، وبانتقال سلس للسلطة، لكنه ظل مكابراً، إذ أعلن أنه لن يحضر مراسيم التنصيب، ولم ينفعه تراجعه، كما لم يعد لتغريداته مكان، بعدما أوقفت مواقع التواصل حساباته. ولكن العاصفة التي تصاعدت ضده لم تهدأ، فقد أوقع نفسه في المصيدة، وحانت الفرصة لخصومه كي يقضوا عليه، وتكاثرت عليه السكاكين، وارتفع صراخ خصومه أن "اطردوه وامنعوه من ممارسة السياسة مدى الحياة". وقالت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي: "إنه مختل ومضطرب عقلياً ويشكل خطراً على قيمنا". وتطوع محاميه الخاص، مايكل كوهين، للشهادة ضده، وحذّرت ماري ترامب ابنة شقيقه من أن عمها "يعاني من الاضطراب.. وقد يحرق كل شيء.. ولا بد من إدانته وعزله".

هكذا أصبح مصيره معلقاً على كلمة يقولها المشرّعون، بعد أن كان، إلى ما قبل ليلة، مالئاً الدنيا وشاغلاً الناس. والظاهر أن محاولة النفاذ بجلده قد تبوء بالفشل، بعد الإجماع الشامل من رجال المؤسسة السياسية على إدانته، وربما عزله أو استقالته، وقد يكون ذلك نهاية مجده السياسي، ولن يتمكن من العودة إلى الكرسي "الذهبي" مستقبلاً. 

هل ستنتهي "غزوة" الكابيتول عند هذا الحد؟ لا نعتقد ذلك، إذ لن يكون بإمكان الأميركيين أن يخلدوا إلى النوم بعد "غزوة" الكابيتول، وأن يطمئنوا إلى سلامة نظامهم الديمقراطي، وقدرته على مواجهة أية محاولة للنيل منه. وإذا كانت المؤسسات قد نجحت في إجهاض الغزوة، وحجمت فعل قوى اليمين المتطرّف، من يضمن أن تلك القوى سوف تنحني أمام العاصفة، ولا تعاود نشاطها وفاعليتها، ما دام ملايين الأميركيين في صفها. وقد ينتهي ترامب سياسياً. ولكن من قال إن "الترامبية" لن تكون قادرة على التحوّل إلى تيار "أيديولوجي" يستثمره "النازيون الجدد" و"جماعة الأولاد الفخورين" وأضرابهم، لترصين جبهتهم، بما يصعد من تأثيرهم داخل الأوساط الشعبية من جديد؟ ذلك هو السؤال الكبير.