آخر الأخبار :

السياسة المصرية وسياقات التطبيع الإقليمي

خيري عمر
خيري عمر
2021/01/16 الساعة 04:24 مساءً

نشرت وزارة الخارجية المصرية، في يناير/ كانون الثاني 2021، تقريراً تحت عنوان "أهم ملامح وجهود وزارة الخارجية خلال عام 2020"، يرصد تحرّكات السياسة المصرية تجاه الشؤون الإقليمية والدولية، ويأتي صدوره في إطار عملية تقييم للسياسة الخارجية، تقوم على تعزيز العلاقات الإيجابية مع دول الشرق الأوسط. وعلى الرغم من العرض السردي، فإنه يثير النقاش بشأن طبيعة السياسة المصرية وقدرتها على تعديل مواقفها، وخصوصاً ما يرتبط بتداعيات التطبيع مع إسرائيل والتغيرات المرتبطة بالعلاقات الخليجية.

ومع بداية العام الماضي (2020)، عملت السياسة المصرية في ظل قيود وتحدّيات استراتيجية، كانت أهم مصادرها في رتابة مفاوضات سد النهضة، واستمرار الأزمة الأمنية في ليبيا، غير أن ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أضاف أعباءً نوعية، فقد جاءت مبادرة السلام الأميركية، صفقة القرن، على دمج إسرائيل في المنطقة. ومنذ أغسطس/ آب 2020، رعت الولايات المتحدة إصدار إعلاناتٍ سياسيةٍ شملت الإمارات والبحرين ثم المغرب. وكان العامل المشترك بينها متمثلاً في تدشين (أو استئناف) علاقات تعاون شاملة مع إسرائيل، بمعزل عن مسارات السلام السابقة. وشملت هذه السياسة الإمارات والبحرين والمغرب، وهناك محاولات لضم السودان إلى مربع التطبيع في مجالات الاقتصاد والأمن والثقافة والسياحة.

وقد بدت الإمارات طرفاً مشتركاً في كل هذه العمليات ونطاقها، فهي لم تقتصر على إقامة علاقات ثنائية عادية، ولكنها تعمل مع إسرائيل لتحقيق إنجازات دبلوماسية إضافية مع الدول الأخرى. وقد بدت خطوات الإمارات متسارعة. وبحسب البيانات المشتركة، تتركز الأهداف في تكوين شبكة حلفاء لإسرائيل والولايات المتحدة عبر بناء علاقات سياسية تساند توسيع التعاون الدبلوماسي والتجاري والأمني.

وتكمن أهمية ردود الفعل الفورية على طرح الرؤية الأميركية في الكشف عن توجهات الدول العربية إزاء تطورات حول القضية الفلسطينية. كانت الأردن الأكثر انتقاداً للرؤية الأميركية للسلام، عندما اعتبرتها مماثلة لوعد بلفور، لكنها دعت إلى مفاوضات مباشرة بشأن قضايا الوضع النهائي على أساس الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويمكن تفسير الموقف الأردني من وجهة ارتباطه مباشرة بقضايا الحل النهائي، وخصوصاً تجاه الإشراف على الأماكن المقدّسة واللاجئين، وهي تتقاطع مباشرة مع مكونات النظام الأردني وشرعيته التاريخية، ويتقارب مع الموقف التركي الذي اعتبرها "ميتة" وغير قائمة.

وبالنظر إلى فروق التجربة المصرية، يمكن ملاحظة أنها حافظت على وضعية السلام البارد حتى عام 2004، لكنه ما لبث أن ظهر تحوّل جوهري، تمثل في التطبيع الاقتصادي في مجال الغاز عبر اتفاقات تجارية، فيما ظلت الطبيعة الحذرة في العلاقة مع إسرائيل. وتفرض الموجة الحالية للتطبيع تحدّياً للسياسة المصرية، فهي تأتي في سياق تناسق دولي وإقليمي على تشبيك علاقات ثنائية مع إسرائيل، كصيغة لتطوير علاقات غير رسمية ومكاتب التمثيل التجاري، وتمثل الإمارات طليعة هذه الموجة، ولعل التحدّي يتمثل في أنها تركز على التسليم الثقافي والاقتصادي، فيما يقل الاهتمام بقضايا الحل النهائي وحالة التهديد الأمني.

وعلى خلاف تركيز معاهدتي السلام المصرية والأردنية مع إسرائيل على الشؤون الثنائية، تقوم اتجاهات التطبيع الجارية أخيرا على بناء علاقات جماعية، فيشير محتوى البيانات الرسمية إلى تطلعات للعمل تحت مشروع صفقة القرن، بما يعكس تغيراً جوهرياً في توجهات السلام مع إسرائيل، حيث يؤسّس لعلاقات تحالفٍ يكون أساسها جر الإقليم للانضواء تحت مظلة العلاقة مع إسرائيل من دون شروط مسبقة .

وبشكل عام، تحفَّظت مصر على ترتيبات صفقة القرن، وأعلنت في 28 يناير/ كانون الثاني 2020 عن ضرورة فتح قنوات الحوار تهيئة لاستئناف المفاوضات، ولذلك ربطت أهمية المبادرة بالقدرة على التوصُل إلى تسوية سياسية تعيد للشعب الفلسطيني كامل حقوقه وفقاً للشرعية الدولية. وفي اجتماع جامعة الدول العربية، أكد وزير الخارجية، سامح شكري، في فبراير 2020، على التسوية العادلة التي تضمن إقامة الدولة الفلسطينية علي الأراضي المحتلة. وفي هذا السياق، رفضت الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتبرته مخالفاً لقرارات الأمم المتحدة، وجديدها قرار مجلس الأمن رقم 2334/ 2016 بشأن عدم الاعتراف بأي تغييرات على حدود 1967 بغير طريق المفاوضات.

داخلياً، وعلى الرغم من وجود اتجاهاتٍ متماهيةٍ مع التطبيع، ظل الموقف السائد في السياسة المصرية يؤكد الالتزام بالقرارات الدولية واستئناف عملية السلام وحل الدولتين. وقد بدا توجه وزارة الخارجية مؤكداً الالتزام بالمسارات السياسية التقليدية والمتباعدة مع خطة السلام الأميركية، حيث تبنت مواقف مناهضة للاستيطان والتصرّفات المضادة لحل الدولتين. وفي المرحلة الأخيرة، ذهبت مصر إلى أن بقاء القضية الفلسطينية من دون حل عادل يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية يزيد من معاناة الفلسطينيين واستنزاف موارد شعوب الشرق الأوسط ومقدّراتها، وأعلنت صلاحية المبادرة العربية لتأسيس علاقات إقليمية تضمن المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة. 

اتخذت مصر هذه المواقف، على الرغم من العلاقة الوثيقة بين الرئيسين، عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب، وهو ما يشير إلى وجود هامش في السياسة المصرية يحول دون التماهي مع الولايات المتحدة. ولعل حجز جزءٍ من المساعدات الأميركية لمصر يكشف عن جانبٍ من التوتر بين البلدين، بسبب سعي مصر إلى تنويع مصادر التسليح. وقد علَّقت الجهات الأميركية بأن السبب يرتبط بشراء أسلحة روسية. تبدو أهمية النقطة في قراءة العلاقات المستقبلية بين الطرفين، وخصوصاً ما يتعلق برغبة مصر في الاحتفاظ بهامشٍ مستقلٍّ عن السياسة الأميركية، وهذا ما يقلل من أهمية الجدل حول تأثير اختلاف توجهات الرئيس الجديد، بايدن، لتقتصر على انتقادات حقوق الإنسان نوعاً من ضغوط يمكن امتصاصها عبر تعديل مصر لعلاقاتها الإقليمية.

يتضافر هذا السياق مع مساعي تفعيل العلاقات مع الأردن والعراق، لتكوين إطار يخفّف من وطأة تيارات التطبيع. ويمثل "اجتماع القاهرة الوزاري حول عملية السلام في الشرق الأوسط"، بمشاركة مصر وفرنسا وألمانيا والأردن، محاولة لدعم المسار التقليدي للسلام بديلاً عن التطبيع غير المشروط، فقد تضمَّن البيان المشترك، 11 يناير/ كانون الثاني 2021، الإشارة إلى استئناف مسار السلام على أساس حل الدولتين، وإلى أهمية دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا) في رعاية اللاجئين.

يمكن القول إن "صفقة القرن" شكّلت حافزاً على إجراء تغيير للسياسة الخارجية إقليمياً بشكل دفع إلى مراجعة سياستها الإقليمية، بخفض التوتر الناجم عن المشكلات الأمنية والاقتصادية في البحر المتوسط وحوض النيل وليبيا، وخصوصاً عندما اعتبرت أن "إعلان القاهرة"، يونيو/ حزيران 2020، يمثل "نقطة تحول فارقة بشأن ليبيا".. "ليس بسبب حسم التوجه نحو الحل السلمي فقط، ولكن لأن تسوية المشكلة في ليبيا تمهد الطريق لتطوير علاقات إقليمية أخرى. يكون من شأنها دعم الاستقرار الداخلي أو الإقليمي". 

عبر هذه الفترة، حاولت مصر تقييم سياستها الخارجية، بشكلٍ أعاد قراءة مسارات الأزمات في دول الجوار وانعكاسها على دور مصر الإقليمي، فمن جهةٍ، تمكّنت من حسم توجهها إلى دعم الحل السياسي في ليبيا بجانب البدء في مراجعة مواقفها تجاه السودان وحوض النيل. ومن جهة أخرى، يمكن النظر إلى انخراط السياسة المصرية في المصالحة الخليجية تعبيراً عن القدرة على التكيف مع التغيرات السياسية، فطبيعة التسويات في العلاقات الخليجية تمثل مفتاحاً للعلاقات الإقليمية، ولعل إدراك هذه الجزئية وفّر قراءة مختلفة للعلاقة مع تركيا وقطر تقوم على إمكانية التخلي عن المناكفات والانتقال إلى العلاقات العادية، بطريقةٍ تساعد على إعادة التموضع الإقليمي.

استراتيجياً، يمكن النظر إلى التحولات الجارية مؤشّراً على انتهاء حقبة الاستقطاب الإقليمي القائمة منذ 2013، وكذلك تداعي مشروع تحالفها الثلاثي، الإمارات والسعودية ومصر، وخصوصاً بعد تفاقم تناقضاته الداخلية، سواء بسبب التطبيع أو بفجوة المصالح في ليبيا والقرن الأفريقي واليمن. لعل هذه النتائج توفر فرصةً لتقديم مبادراتٍ لتطوير السياسة الخارجية على غير طريقة المحاور التي سادت ست سنوات عجاف.