آخر الأخبار :

جمهورية الضباط : باقية وتتمدّد

خليل العناني
خليل العناني
2021/01/31 الساعة 07:19 مساءً

مرّت قبل أيام الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير. وقد امتلأ الفضاء الإلكتروني (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) بكثير من النوستاليجيا الاحتفالية بالثورة، إلى درجة أن الجنرال عبد الفتاح السيسي نفسه قد هنّأ الشباب المصري بالذكرى في خطابه بمناسبة عيد الشرطة الأسبوع الماضي. صحيح أن كلماته عن الثورة لم تتجاوز خمسين كلمة، من بين ستمائة كلمة إجمالي الخطاب، وذلك على نحو ما أخبرنا بذلك موقع سي. إن. إن العربي، إلا أنه لم يقفز على الحدث الذي هزّ مصر، وقلب كيانها منذ عشر سنوات، وأراد أن يسرق "اللقطة" من المحتفلين بذكرى الثورة.

وعلى الرغم من مرور عقد على الثورة، فإن أسئلةً عديدة، وبعضها قد يبدو بديهياً، لا تزال تقفز إلى الذهن، وتبحث عن إجاباتٍ مقنعة. لعل أبرزها سؤال التصنيف والتوصيف. كيف نصف أو نصنّف ما وقع في 25 يناير/كانون الثاني 2011؟ هل كانت ثورة أم انقلابا أم انتفاضة أم نصف ثورة ونصف انقلاب.. إلخ. فبالنسبة للمصريين، أو على الأقل كثير منهم، فإن ما حدث كان ثورة شعبية غير مسبوقة، خرج فيها الجميع للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. في حين تبدو بالنسبة لبعضهم الآخر، خصوصا بين المثقفين والباحثين، فقد كانت انقلاباً استباقياً نفّذه الجيش ضد احتمالات وصول جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، إلى السلطة. ويعتقد هؤلاء أن تنحّي مبارك عن السلطة في 11 فبراير لم يكن للمتظاهرين أو الثوار، وإنما للمجلس العسكري. كذلك يستندون، في رؤيتهم تلك، إلى الوثائق والمذكّرات والتسريبات التي ظهرت على مدار العقد الماضي، خصوصا مذكرات الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، المعنونة "أرض موعودة"، أو مذكّرات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ورسائلها الإلكترونية، والتي تشير، بوضوح، إلى إطاحة الجيش مبارك حماية له ولمصالحه. في حين يبدي بعض ثالث تململاً من الجدل بشأن توصيف ما حدث، ويطالب بضرورة النظر إلى الأمام، والعمل على تغيير الأوضاع الحالية السيئة في مصر.

وباعتقادي، لا توجد مناسبة مهمة لطرح مثل هذا السؤال (سؤال التوصيف والتصنيف) وغيره من الأسئلة المهمة، مثل سؤال: لماذا فشلت الثورة؟ وسؤال غياب المشروع السياسي البديل، وسؤال الاختيار بين المسارات السياسية والثورية، من مناسبة مرور عقد على الثورة. فبدون فهم ملابسات تلك الثورة، وكثير منها لا يزال مخفياً وغامضاً، فلن يمكن المرور إلى الأمام، ولا يضمن أنه إذا ما وقعت أحداث مشابهة في المستقبل (القريب ربما)، كيف سيتم التعاطي معها. فالوصف والتصنيف هنا ليسا مسألة نظريةً أو أكاديميةً محضة تُثار من قبيل الرفاهة الفكرية. ولكنها تقع في قلب فهم تعقيدات المشهد السياسي في مصر، ومعرفة تشابك علاقات القوة وتوزيعها بين مراكز السلطة المختلفة.

فقد اكتشفنا، وتعلّمنا من تجربة السنوات الماضية، أن أية انتفاضةٍ أو ثورة أو هبّة شعبية قد تحدث في المستقبل، لا يجب أن تقع في فخ الوثوق في جنرالات الجيش، ومن ثم تسلّم لهم نفسها، منذ البداية، كي يفعلوا بها ما يشاؤون. كما عرفنا أن هؤلاء الجنرالات، أو على الأقل كثيرين منهم، ليست لهم أية مصلحة في تغيير الأوضاع السياسية في البلاد، بحيث يكون للشعب كلمة في اختيار من يحكمه، وذلك مهما ادّعى بعضهم عكس ذلك. وتأكّدنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن كثيرين من هؤلاء الجنرالات يمنّي النفس، بل وربما يستعد ويخطط، للقفز على مقعد السلطة، عندما تأتي اللحظة المناسبة. كما بتْنا على يقين كامل بأن مرض مصر العُضال لا يكمن في قواها السياسية، إسلامية أو علمانية، يسارية أو ليبرالية، وإنما في شيء واحد فقط: الطموح السياسي للعسكر. وهو طموحٌ يبدو مركباً أصيلاً في عقيدة جنرالات مصر الكبار، الذين يرون أن مصالحهم الخاصة تتجاوز مصالح الوطن والمواطن.

تعلّمنا أيضا، خلال السنوات العشر الماضية، وللدقة تذكّرنا، أن جنرالات مصر يملكون الأرض وما فيها، ومن عليها، من مال وماء وخبز وزرع، وهم المتحكّمون في رقاب الناس وأقواتهم، وأنهم المسيطرون على منافذ الحياة وشرايينها في مصر. فلا زرع، ولا بناء، ولا طرق، ولا مواصلات، ولا مؤسسات، ولا غذاء، ولا إعلام، ولا فن، ولا تعليم، ولا صحة، ولا انتخابات، ولا أحزاب، ولا برلمان، ولا سياسة إجمالاً، إلا بإذن العسكر. باختصار، ما حدث منذ ثورة يناير هو اتساع نفوذ وهيمنة "جمهورية الضباط" (بتعبير يزيد صايغ)، بدرجةٍ ربما لم تحدث منذ انقلاب يوليو 1952، وذلك على مرأى ومسمع من الجميع، داخلياً وخارجياً. لذا، فإذا كان من درس واحد فقط يمكن تعلّمه من العشرية الأولى لثورة يناير، فهو أنه لا علاج لمصر من عللها وأمراضها إلا بالتحرّر من "جمهورية الضباط"، وبناء "جمهورية الشعب"، ووقتها يمكن أن نسمّي ما حدث بالفعل بأنه "ثورة"، وبدون ذلك فإن "جمهورية الضباط" ستظل باقية.. وتتمدّد.