آخر الأخبار :

يحدّثونك عن المثقف الفلسطيني

معن البياري
معن البياري
2021/02/09 الساعة 08:18 مساءً

اختار الزملاء القائمون على ملحق فلسطين في "العربي الجديد" موضوعة المثقف الفلسطيني محورا في العدد الصادر أخيرا، الأحد 31/1/2021، وتضمّن مساهماتٍ طيبة للكتاب، حيان جابر ولميس أندوني وسامي حسن. وهي انتباهة محمودة، فمسألة المثقف الفلسطيني، سيما في المشهد العام الراهن، باتت شديدة الحاجة إلى تشريحٍ كثير، وإلى مقارباتٍ تحليليةٍ تضيء عليها. وإذا كان كتّاب فلسطينيون يبادرون (قليلا) في غير وسيط إعلامي وثقافي، إلى إثارة نقاطٍ للنقاش في هذه المسألة، وإلى تعيين مستوياتها وأوجهها، فإن كتاباتهم، على اختلاف سوّيتها، غالبا ما تبدو جهودا عارضة، لأسبابٍ غير قليلة، ما قد يستدعي وجوب أن تنهض مؤسّسةٌ بحثية قديرة، تحوز استقلاليةً مؤكدة، بدور في هذا الأمر، من قبيل تنظيم ورشة نقاش حرة، أو مؤتمر ينتدي فيه جمع من المثقفين الفلسطينيين، يتطارحون الحال، ويشخَصون إلى خلاصاتٍ تحيط بالقضية. وإذ يقع قارئ المساهمات الثلاث في الملحق على انشغالٍ كثير فيها بما كان عليه أمر المثقف الفلسطيني في أطوار سابقة، والتفاتٍ أقلّ إلى شأن هذا المثقف راهنا، فذلك مما تتشابه فيه هذه المعالجات مع كثيرٍ مما ينكتب في هذه الموضوعة، فالغالب في مطارحاتٍ نصادفها في شأن المثقف الفلسطيني أنها تستغرق في استدعاءات مرحلة منظمة التحرير، إبّان كانت مؤسسة ائتلافٍ سياسيٍّ وثقافي متنوع وظاهر، وكان المثقف الفلسطيني يحرز في إطارها حضورا بيّنا، بل ويساهم في إطارها (وخارجها) في تشكيل المعادلة الوطنية الفلسطينية، وصياغة أفق المشروع الوطني، من دون أن يُغفل هنا عن مؤاخذاتٍ على الأداء العام لذلك المثقف في ذلك الزمن. كما أن المساهمات الثلاث، وإنْ بشيء من التمايز في مقالة حيان جابر، اتصفت بالذي غالبا ما نقرأه في كثيرٍ مما ينكتب، فيما يتعلق باستدعاء الأسماء نفسها، محمود درويش وإدوارد سعيد وغسان كنفاني، ما يعود بداهةً إلى الإضافات العالية القيمة في منجزات ثلاثتهم، في التعبير عن المشروع التحرّري الفلسطيني، في أفقه الجمالي والإبداعي والكوني.

غاية هذه السطور أن تضيف إلى ما كتبه حيان ولميس وسامي، بعد تثمينه في إحالة ثلاثتهم على سؤال المثقف الفلسطيني والسلطة، فقد وجدت لميس أن ثمّة صعودا لـ"مثقف السلطة" بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية، ورأى حيان أن تهميشا يحدُث في مكانة النضال الثقافي الفلسطيني، وأن فعاليةً لأكاديميين مختصين صارت ظاهرةً في غير مسألة، وكتب سامي إن اليأس والإحباط اللذيْن أصابا المثقفين الفلسطينيين إنما هما مما أصاب الفلسطينيين عموما. وإلى كثيرٍ نابهٍ في الذي جاء به الثلاثة، ففي الوسع أن يُضاف، حاشيةً وحسب، أنه لم يعد ثمّة مشهد ثقافي فلسطيني يمكن تعيينه في الراهن الذي نغشاه، بعد أن انصرفت المؤسسة الفلسطينية الرسمية عن المثقف النوعي، وأبعدته من المعادلة الوطنية عموما، لأسبابٍ لا سبيل هنا للإفاضة فيها، فالخريطة قدّامنا إنما نعاين فيها مثقفين فلسطينين، لهم جهودهم الفردية، أو تكتلاتهم الصغرى الضيقة، وإنهم في هذا يؤدّون، أحيانا، دورا مهما، على سبيل التواصل مع شباب فلسطيني طالع، له رهاناتٌ وأسئلةٌ مختلفةٌ وحساسياتٌ جماليةٌ وأدواتٌ معرفيةٌ أخرى، بعيدة غالبا عما كان معهودا بين يدي المثقف الفلسطيني قبل عشرين سنة أو أقل. ولذلك، فإن سؤال فاعلية المثقف الراهن ودوره أصبح مفارقا للمنظور الذي نرى منه غسان كنفاني. ولا أظن أن الكيفيات التي جاء عليها إدوارد سعيد تبقى صالحةً وكافية هنا. ومن الإحجاف أن يبقى محمود درويش حائطا أمام أعيننا، فلا نلحظ ما ينجزه روائيون وشعراء ورسامون وسينمائيون وقصاصون وساردون تعاقبوا في الثلاثين عاما الماضية أو أقلّ منها، وساهموا باقتراحاتٍ جمالية وإبداعية احتاجت الإعلام والنقد والدرس ووسائط التعليم لتكون تحت المجهر.

ثمّة أكثر من صعيد (أكثر من جبهة؟) يُحاط به النقاش المتشعب المتصل براهن المثقف الفلسطيني، ذاتا مفردة، وفي محيطه الاجتماعي، وفي الفضاء الوطني العام. والأدوات الكاشفة التي تسعف هذا النقاش لن تغفل عما صارت تصنعه ثقافة التشدّد والتعصب الديني والجهوي والعشائري، وهي التي تتمادى، وما تُحدثه وسائط "السوشيال ميديا" في تشكيل القناعات والانطباعات والتصورات .. وثمة غير هذا وذاك مما في وسع الزملاء في ملحق فلسطين في "العربي الجديد" أن يكترثوا به، وييسّروا بشأنه نقاشا كالذي أثارته مقالات حيان جابر ولميس أندوني وسامي حسن المنوّه بها أعلاه.