آخر الأخبار :

هوامش على دفتر السياسة

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2021/02/18 الساعة 01:51 صباحاً

لا تزال "المسألة السورية" تتنقل بين مدينة ومدينة، ومن مؤتمر إلى مؤتمر. هذه المرة تحط رحالها في منتجع سوتشي الروسي على البحر الأسود، وكما في كل مرة سوف يتأرجح السوريون بين ثلاثة أطراف فاعلة يسمّونها "ضامنة لوقف إطلاق النار": روسيا، تركيا، وإيران، والطرف الفاعل الرابع إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، التي لا تزال تراجع أوراق حقبة ترامب، قبل أن تعطي موقفا. أما الأطراف العربية الحاضرة، العراق آخرها، بعد لبنان وسورية والأردن، فهي أطراف مراقبة، أعطيت متعة التفرّج فقط على ما يجري. وأطراف عربية أخرى "تتفرّج" من بعيد. ولم يعد الحديث عن حلول حقيقية مطروحا، فالمهم وقف النار التي ستبقى تحت الرماد، كي يمكن إشعالها متى ما رغب الكبار في ذلك. ويبقى السوريون، المقيمون منهم والنازحون، في واد آخر يبحثون عن الخبز والدواء والكهرباء، وفسحة "حرية" ولو كانت صغيرة!

ليبيا هي الأخرى في مسار "ملتقى الحوار السياسي" الذي انعقد في جنيف، وولد صيغة نظام برأسين: مجلس رئاسي وحكومة انتقالية، وثمّة توافقات يُراد منها أن تكون ضامنة لإنهاء "الحروب الأهلية" التي نشبت في أكثر من مدينة ليبية، والعبور إلى وضع جديد، إلا أن تلك التوافقات لا تزال هشة وضعيفة، على الرغم من تأكيد معظم الأطراف على دعم جهود السلام والحفاظ على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة (!)، وثمّة أكثر من سبب يجعلنا "متشائلين" مما يحدث، وعلينا أن ننتظر.

الشعور "المتشائل" يلاحقنا من ليبيا الى مصر، حيث عقدت الفصائل الفلسطينية في القاهرة جولة حوار فيما بينها، بإشراف المخابرات المصرية، أنتجت بيانا توافقيا بعد 48 ساعة، وضع المتحاورين "على قلب واحد وأنهى كل الخلافات"، وأكد على "الشراكة الوطنية .. ومشاركة الكل الفلسطيني .. وإنهاء الانقسام"، وتزامن ذلك مع اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، تحدثوا فيه عن "مركزية القضية الفلسطينية لدى الدول العربية.. ودعم حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.. وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية"، نقطة.. رأس سطر.

وإلى العراق، حيث يطالب عراقيون كثيرون "المجتمع الدولي" بإنصافهم، ورفع معاناتهم التي طالت. هم ينسون أن ما يسمونه "المجتمع الدولي" لا يتعامل إلا مع "قوى الأمر الواقع"، والعراق لم يعد قوة، وقد خسر مكانته منذ احتله الأميركيون وهيمن عليه الإيرانيون. الحل أن يقوي ثوار تشرين شوكتهم ويزيدوا فاعليتهم، عندها يمكن أن ينتبه المجتمع الدولي إليهم.

وفي العراق، انفضحت أمام الملأ لغة التخاطب السوقي بين أقطاب العملية السياسية، فقد توعد زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، الصدريين بأنه لن يسمح للبطّة بأن ترعب الناس، في إشارة إلى سيارات يسمّيها العراقيون "البطّة" كانت وراء عمليات خطف، اتهم بتدبيرها صدريون. يرد محمد صالح العراقي، وزير القائد كما يطلق على نفسه: "البطّة هي الحل الوحيد للقضاء على الفاسدين ولمن باعوا ثلث العراق الى داعش". وراء هذا الصراع الذي تجاوز "الغرف السرية" إصرار كل من الزعيمين على أن تكون رئاسة حكومة ما بعد الانتخابات له وليس لغيره. ويقف رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، وحده في الساحة، مراقصا الوهم. يصح القول هنا إن المصائب تكشف معادن النفوس، والانتخابات مصيبة، ولكن لندع الفخار يكسر بعضه!

في العراق أيضا ثمّة سؤال يُطرح على خلفية تهديد مليشيا "العصائب" و"النجباء" بأنهما جاهزتان للرد على أي تدخل عسكري تركي في العراق: هل يصح لقوى مليشياوية سلب قرار السلم والحرب من الدولة؟

وربطا بالهامش السابق، لفتت انتباه كثيرين تغريدة لسياسي عراقي جاء مع الأميركيين، ثم نأى بنفسه عنهم. كتب عزت الشابندر: "لم يعد من الممكن التمييز بين حصر السلاح بيد الدولة، وسحب السلاح من يد الدولة، وكذلك بين من يريد إعادة بناء الدولة ومن يريد بقاء العراق بلا دولة".

وأخيرا، وعلى صعيد العلاقة بين طهران وبغداد، تخطى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، تقاليد اللياقة وأصول العلاقات بين الدول، عندما وجه رسالة الى شباب العراق، حملت معنى "الأبوة" المفروضة من خارج الأسرة، دعاهم فيها إلى "الثبات على الطريق المستقيم" وبشرهم بمستقبل مشرق، ووقوف إيران معهم. رد الشباب على خامنئي كان مفحما: "لا نحبك، ولا نريدك، ولا علاقة تربطنا بك". القادة الإيرانيون يخسرون كثيرا عندما يتوهمون أنهم وضعوا العراقيين في جيوبهم.