لقاء وحيد مع مريد ورضوى

رشا عمران
رشا عمران
2021/02/21 الساعة 01:07 صباحاً

ذات يوم في الشهر الخامس من عام 2012، حين كان ميدان التحرير في القاهرة مركز جذبٍ للمؤمنين بالربيع العربي، وبحركة التغيير السياسي والاجتماعي التي كانت بداياتها مبشّرة، قبل تحولاتها المخيفة، كنتُ مع أصدقاء مصريين، نمشي بين الجموع الهائلة في شارع طلعت حرب، محاولين الوصول إلى الميدان، حيث التجمع الأكبر للمصريين الرافضين قرارات المجلس العسكري. كانت مصر يومها قد بدأت تستقبل العدد الأكبر من السوريين الهاربين من الحرب والملاحقة والاعتقال، مصر بثورتها وبما تمثله للعرب كانت نقطة الجذب للسوريين، خصوصا أنها، حتى ذلك الوقت، كانت تتيح للسوري الدخول إليها من دون تأشيرة، وهذا سهّل للسوريين حتى الحركة (الثورية) في أرض الكنانة، حيث نُصبت خيمة في قلب الميدان، قرب مقر جامعة الدول العربية، مخصّصة للثورة السورية، يجتمع فيها السوريون الثائرون، قبل أن تتحوّل إلى مقر لأصحاب الثورة المضادّة المطالبين بالتسليح وأسلمة الثورة، ورافعي الشعارات الطائفية، والأعلام السوداء التي غطّت خيمة "الثورة السورية" في ميدان التحرير.

في ذلك اليوم، ونحن نحاول الوصول إلى الميدان، كان هناك رجل ستيني يمسك بيد سيدة جميلة بحبّ واضح، يحاولان مثلنا الوصول إلى الميدان. لم أكن لأعرفهما، لولا أن أحد الأصدقاء قال مازحا: "أهو رضوى ومريد، يلا نمشي معاهم ونعمل مظاهرة شعرية روائية". كان الرجل الذي لم أقابله من قبل الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، يمسك بيد زوجته الروائية المصرية رضوى عاشور. شعرت بفرح وفخر شديد، حين عرّفهما أصدقائي علي، وحين قال لي مريد: "أهلا رشا، قرأت مقالك الجميل، استحقاق الكرامة، في "القدس العربي"، ومتأكد لو كان محمد عمران ما زال على قيد الحياة، لكان فخورا بموقفك". أتذكّر أنني استأذنت الراحلة الكبيرة، رضوى، أن أعانق الأستاذ مريد، فضحكت وقالت "وأنا أيضا أريد أن أعانقك وأعانق الأستاذ مريد". ومضينا معا باتجاه الميدان، ونحن نتحدّث بحماس عن الثورة السورية، وعن التغيير المرتقب، وعن المستقبل الجميل القادم إلى بلادنا. كان حماسهما نادرا واستثنائيا وطافحا، يشبه الحب الذي بينهما، والذي لا يمكن ألا يلاحظه أحد. كان مريد يمسك بذراع رضوى بحب ورعاية، قلما رأيتهما من شاعر عربي تجاه زوجته. أنا التي عرفت معظم شعراء الوطن العربي منذ طفولتي. لم تكن رضوى أيضا زوجة عادية، هي المحمّلة بتاريخ ثقافي ونقدي وسياسي نضالي، سيبقى علامةً في تاريخ الأدب والثقافة العربية على مدى الزمن.

بعد أن عبرنا الميدان، ذهبنا باتجاه خيمة السوريين، بناء على طلب مريد ورضوى. وكانت صدمتنا الكبيرة، حين دخلنا ورأينا الخيمة مغطّاة بعلم كبير لحزب التحرير، الجهادي الأصولي، وبشعاراتٍ طائفيةٍ. لم نحتمل الوضع، خصوصا بعد أن حصل احتدامٌ بالنقاش مع أحد المشرفين على الخيمة، وهو سوري بالطبع. هدّدنا باستخدام السلاح، خرجنا. وكان مريد ورضوى يحاولان تهدئتي وطمأنتي بالقول إن هذا دأب الإسلام السياسي على اختطاف أي حراكٍ شعبي لصالحه، لكنها ظاهرة ستنتهي أمام الإرادة الشعبية الكبيرة.

رحلت رضوى عاشور بعد عامين ونيف من ذلك اللقاء الوحيد. هزمها مرض السرطان الذي عانت منه طويلا، وربما أيضا هزمها مآل الربيع العربي الذي اتّضحت معالمه في 2014، سواء في مصر أو باقي الدول التي شهدت محاولاتٍ جدّية وكثيفة للتغيير السياسي والإجتماعي، حيث لم تنفع الإرادة الشعبية في عملية التغيير، إذ اتضح أن التركيبة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية العسكرية في بلادنا أكثر تعقيدا وتجذّرا من أن تغيّرها إرادة شعبية على شكل ثوراتٍ سريعة، وأن تفكيكها يحتاج إلى زمن طويل جدا، وأجيال جديدة متعاقبة، متخفّفة من إرث الاستبدادين العسكري والديني الذي ابتليت به بلاد العرب.

بعد رحيل رضوى عاشور، بقيتُ على تواصلٍ مع مريد البرغوثي على صفحة فيسبوك فقط. أتابع ما يكتبه على صفحته، مواقفه السياسية والأخلاقية الحاسمة الرافضة دائما كل أنواع الاستبداد، كلمة الحق التي ينطق بها من دون تردّد، رفضه التطبيع ليس فقط مع العدو الإسرائيلي، بل أيضا مع أنظمة الاستبداد والإجرام العربية، سيما النظام السوري، قصائده الجديدة التي اقتربت من الشعر الصافي ولا تشبه سواه، ولا تذكّر بغيره، حبه العالي والدائم زوجته الراحلة، هذا العشق النادر والذي لم يخفّف رحيلها من نبله وتوهّجه. هل كان من المصادفة أن يلتحق مريد برضوى يوم 14 فبراير، الذي يصادف يوم عيد الحب؟!