آخر الأخبار :

فتحي عبدالله وبهجة المقهى

عبد الحكيم حيدر
عبد الحكيم حيدر
2021/02/25 الساعة 09:06 صباحاً

أول إحساس يأتيك بغتة حينما يسعدك الحظ، وتجلس مع فلاح ساخر وبوهيمي، كفتحي عبدالله، يضحك حتى على نكده ومزاجه وحاجته، ويبسّط لك العالم ويشتمه أيضا، هو أنك مع شخصٍ كان قريبا لك في يوم ما في حقلٍ أو جني القطن أو تختة المدرسة أو في انتظار قطار، كنت فيه وحيدا، وقد ضاقت بكما السبل، وتأخر القطار، وانسابت الحكايات من طرف لسانه، فملتما إلى نصبة شاي، فطلب شيشة فور جلوسه، وأخذتكما الحكايات حتى نسيتما القطارات، ثم فرّقتكما الطرق بلا أخذ عناوين، فجأة تراه بعد سنواتٍ في مقهى أو أتوبيس أو حلقة ذكر أو "زهرة البستان"، فيبادرك بالسلام، وكأنه ما انقطع بينكما قط حديث ولا ود.

رأيته في سنة 1989 أول مرة في مقهى "زهرة البستان" يضحك ويحكي، وكأنه في كامل همّته، كفلاح جاء من ساعتين من بغداد، عن الناس هناك وعن الشعر والكتابة. كان أليفا لي، وكأنه صاحبي الذي زاملني في تختة المدرسة الإعدادية، علي، من قرية منقطين، وكانت به عرجة خفيفة. وفي إجازة السنة الثالثة الإعدادية، سافر إلى ليبيا "سلكاوي"، مع أولاد عمّه ولم يعد إلى منقطين.

كان فتحي عبدالله يحكي بيسر وسهولة، بلا نكد ولا كآبة أو سوداوية مثقفين يخرجون الكلمة ويبتلعون الثانية خوفا على الأيديولوجيا أو المنهج أو الخوف من الوقوع فيما لا تُحمد عقباه من القول أو التصريح أو اكتشاف الذات. كان يحكي بسهولة ويسر، وكأنه يسوق غنماته في حقل، أو يسوق بقرته بجوار حلفاء نابتة على ريشة ترعة، ويغنّي، أو يدور بالنورج فوق سنبلات القمح، أو يغنّي بجوار ساقية. كان كلامه طليقا وبلا خوف، وبلا أدنى محاذير من جماعة أو جيل أو سلطة أو شلة أو جيتو مغلق على ناسه، فلا هو ماركسي، كعتاة الماركسيين في حذرهم وشكيمتهم، ولا هو عروبي أو ناصري يعبد الفرد ومنظماته البالية، ولا هو حزبي، ولا هو يميني قح، ولا يعبد أي نظرية كانت، بل ذات واعية فقط لما تراه وتحسّه، تقول ما تراه قريبا من خاطرها ومذاقها وفطرة الفلاح النبيه فيها.

كان حادّا أحيانا، ولكنه حينما يرتاح إلى ركن مقهى يعود إلى اتزان (وطيوبة) الفلاح التي فيه، ويبدأ مزاج الدخان والحكي. وإذا حضرت الشيشة والليل، ففي أي مكانٍ ينام فتحي ليلته، حتى في بيت ذئاب. وفي الصباح يمشي إلى عملة في هيئة الكتاب أو مجلة القاهرة، ولا يشبع أبدا من الضحك مع الناس في أي مكان.

في السنوات الأخيرة، زادت عليه حدّة المرض، حتى أنني قلت لنفسي إن فتحي صار هيكلاً، وإذا به يقول لي في التليفون: "يا ولد، يا حيدر، أنا ومحمد عيد عاوزين نسهر معاك، يا ولد أنت". كان محمد عيد قد بدأ يتوكأ على عصاه، ولكن في كامل صحته، وفتحي شبه هيكل عظمي هشّ. وحينما بدأت السهرة بدأ الألق في عينيه كنسر، وبدأ الحكي، وكأنه يشتهي العالم أول مرة. كم كانت تلك الليلة جميلة، وكم كان محمد عيد مبتهجا وبهيا وطيبا وسخيا ليلتها، وإذا به يقول: "يا أولاد الكلب، يا فلاحين، مكنتش أعرف انكوا بتحبوا الحياة بالشكل ده؟". ضحك فتحي، وبدأ الحكي يأخذ جلاله وصخبه، وإن حكى فتحي، فألف حكّاء حوله يرقص، ومحمد عيد فرحان، وكأنه لأول مرة يجلس مع فلاحين، أحدهما من ريف المنوفية، وهو فتحي، والآخر من ريف المنيا.

كنت أخاف على فتحي من الفرح، وكأنه يريد أن يطير، أو يحكي كل الدنيا في ليلة واحدة. وأخاف أيضا على محمد عيد، وخصوصا بعدما تساند علىّ بعصاته في الخروج حتى باب المترو. وفتحي يمشي مبتعدا كي يلحق الأتوبيس إلى مدينته بأطراف القاهرة، وكأنني أراه يطير. كنت أخاف على فتحي ومحمد عيد يتوكأ علي، حتى ركب محمد عيد، وظللنا نتواعد بالأمنية سنوات بعد هذه الليلة كي نكرّرها. ولكن صحة محمد عيد كانت قد بدأت في التدهور. وظل فتحي يمرض ويعود ويواعدني أن نسهر. وأنا في قرارة نفسي أخاف، أخاف حتى رؤيته، كي لا أتألم أكثر، خصوصا وهو يكبرني بشهر بالتمام والكمال، حتى لحق بمحمد عيد، فسلام على الاثنين هناك.