آخر الأخبار :

إنشاءات في مصر ولكن

أحمد ماهر
أحمد ماهر
2021/04/06 الساعة 12:03 صباحاً

مشروعات إنشائية عديدة تحدث في مصر. الحق يقال إنّ بعضها قد يبدو رائعاً؛ مبانٍ فخمة جديدة، ومنتجعات سياحية وفنادق، وكباري (جسور) جديدة تحلّ مشكلة المرور بنسبة كبيرة، وأدّت إلى توفير كثير من الوقت. مشروعات هندسية. الطريق الدائري حول القاهرة يتم توسيعه، بعدما أصبح كابوساً بسبب تكرار الحوادث وزيادة الكثافة المرورية عليه.

عندما تشاهد أيّ قناة مصرية، تجد هناك كمّاً كبيراً من الإعلانات والفواصل التي تمجّد الإنشاءات الجديدة، أرقام كثيرة وكبيرة عن مشروعات، وكباري، وطرقات جديدة، ومشروعات سياحية، وناطحات سحاب. يتساءل من يؤيد السلطة كيف لا يرى المعارضون كلّ تلك المعجزات التي تم إنشاؤها في وقت قصير، ليردّ المعارضون أنّ تلك المباني الفخمة والمشروعات السياحية ليست هي معيار التقدم، فقد يكون كثير من تلك الطرقات والمشروعات الهندسية مفيداً بشكل عام، لكنّ تكلفته اقتطعت بالفعل من جيوب المواطنين، لكنّ المشكلة الأكبر أنّ العاصمة القديمة ستظلّ كما هي في حالها المتردّي، وسيزيد. (2) بحكم عملي في مجال الهندسة والإنشاءات، كثيراً ما تلفت نظري عمليات إنشائية، بعضها صراحة أنظر إليه بإعجابٍ من ذلك الكمّ من المعدّات وتلك التكنولوجيا الجديدة المستخدمة، فمحاور جديدة للطرقات يتم إنشاؤها يومياً، وعدد ضخم من الكباري التي تساعد في حلّ الاختناقات المرورية. الطريق الدائري تجري توسعته، وكان قد أنشئ في التسعينيات، لتخفيف الكثافة المرورية في القاهرة الكبرى، حيث يقطع محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية. وكان في الماضي يساهم في الوصول إلى أماكن كثيرة في وقتٍ قصير. أتذكر عندما كنت صغيراً وكان الطريق جديداً، كان يقطع الطرقات الزراعية، وكان السير فيه ممتعاً وسط الزراعات والهواء النقي.

أراضٍ زراعية كثيرة تمّ نزع ملكيتها وتعويض أصحابها في الثمانينيات والتسعينيات تحت اسم المنفعة العامة. ومع السنوات، وبسبب الفساد وغياب التخطيط، زحفت العشوائيات. وفي هذه الأيام، لم تعد هناك زراعة حول الطريق، بل تحولت إلى غابات إسمنتية ومبانٍ عشوائية قبيحة، على حافة الطريق مباشرة، ولا يعرف أحد كيف تتكاثر تلك المباني، على الرغم من كلّ ما نسمع عنه ونقرأه في الأخبار الحكومية من قرارات هدم المباني المخالفة. تحول الطريق الدائري حول القاهرة إلى كابوس مليء بالاختناقات المرورية، وحوادث كثيرة كلّ فترة بسبب الميكروباصات وسيارات الأجرة والنقل التي لا تلتزم بسرعة محددة، أو بحارةٍ مرورية، إذ لا توجد خطوط لحارات مرورية من الأساس، بالإضافة إلى ذلك الاختراع القبيح الذي جُلب إلى مصر بكثرة، وهو مركبة "التوكتوك" الذي ليس سيارة ولا "موتوسيكل"، فيسير عكس الاتجاه في الطرقات السريعة، ويقوده مراهقون من دون أيّ تراخيص أو انضباط.

هناك نقطة تفتيش أو اثنتان، لكنّها تساهم في تفاقم الاختناق المروري، بسبب اقتطاعها مساحة كبيرة من عرض الطريق. أما ما قبل نقاط التفتيش وبعدها، فلا ضابط أو رابط، فسيارات الأجرة الكبيرة تقف متوازيةً صفين وثلاثة صفوف، لتتسبب في اختناقات مرورية جديدة. الكلّ يصيح ويتصارع من أجل الفوز بالركاب، ويظلّ الحال على ما هو عليه.

طرقات جديدة يجري إنشاؤها كلّ يوم، هذا صحيح. بعضها تمّ إنشاؤه على عجالة، وفيه أخطاء هندسية، لكنّ تفاصيل كثيرة تُهمَل، تحول الطرق الجديد إلى المشكلات السابقة نفسها، فالهدف هو تنفيذ الطرقات والمحاور الجديدة فقط، وليست هناك خطة تنموية أكثر شمولاً، ولذلك تزحف العشوائية وتنتقل أيضاً إلى ما هو جديد. (3) تطوير القرى شعار جميل، فالقرى المصرية تحتاج إلى تحسين التعليم والرعاية الصحية وتحسين الخدمات. هناك حركة إنشاءات لعدد كبير من الجسور أمام مداخل القرى الريفية، وتؤدي تلك الإنشاءات، بالتأكيد، إلى سهولة الحركة وتسريع الانتقال بين المدن والقرى، لكن، في المقابل، تأتي على حساب الرقعة الزراعية؛ قرى كثيرة تحوّلت إلى مسخ، لا هي قرى زراعية ولا هي مدن. مبانٍ خرسانية عشوائية ليست لها ملامح، وطرقات يجري توسيعها على حساب الرقعة الزراعية، لتقام عليها مبانٍ خرسانية قبيحة مجدداً من أجل خدمات الطريق، ثم يبدأ الزحف العمراني العشوائي ليلتهم ما تبقى من الزراعات، فمن الذي يسمح بتلك العشوائيات؟ هل هي ثورة يناير في 2011 التي يحمّلونها كلّ الخطايا؟ هل تنمية الدولة ونقلها إلى المستقبل هو فقط إنفاق مليارات الدولارات على المنشآت الخرسانية؟ هل يحسّن ذلك من حال التعليم والثقافة والابتكار والصحة والتصنيع والزراعة؟ ربما قد تؤدي تلك المنشآت والمشروعات السياحية الفاخرة إلى زيادة فرص العمل وتحقيق بعض النمو الاقتصادي، أو رواج قطاع المعمار والمهن المعتمدة على الإنشاءات والهندسة، بخلاف الوظائف التي سيتم توفيرها في المجال السياحي والخدمات، لكن، هل يعتبر ذلك تقدماً وتنمية بشكل عام؟ أم أنّه سيظلّ يراكم الثروات في يد فئة محدودة وطبقة بعينها فيما ستظل الأغلبية الكاسحة من الشعب تعاني من الفقر والعوز والإهمال والفساد؟

ربما هناك تغيير شكلي متمثل في إدخال بعض التكنولوجيا الشكلية، لكنّ العقلية الإدارية القديمة ما زالت كما هي

لدينا نماذج كثيرة في دول عديدة في جنوب آسيا وشرقها، وكذلك في أميركا الجنوبية، حيث مشروعات سياحية فخمة واقتصاد خدمي يَصبّ في مصلحة فئاتٍ بعينها، لكن، من دون تنمية حقيقية ترتقي بالدولة والمواطن. (4) عندما يضطر المواطن المصري للتعامل مع المصالح الحكومية، وتجديد بعض الأوراق والتراخيص، لم يتغير الحال عما قبل 2011، ولا يبدو أنّ هناك بارقة أمل في المدى القريب، ربما هناك تغيير شكلي متمثل في إدخال بعض التكنولوجيا الشكلية، لكنّ العقلية الإدارية القديمة ما زالت كما هي، نفس التخبط والفساد والترهل الذي كان قبل ثورة يناير 2011، وكلّ ما يقال عن الجمهورية الجديدة والإصلاح الإداري هو مجرّد حديث للاستهلاك المحلي. يعاني المواطن العادي، الذي لا ينتمي للطبقة الحاكمة، وليست لديه اتصالات بأشخاص ذوي نفوذ، معاناة شديدة عند محاولته تجديد أيّ تراخيص أو استخراج أيّ أوراق. ساعات وأيام من أعمارنا تضيع، وإجازات من العمل، من أجل إجراءات ورقية وتعقيدات لا طائل منها، تعقيدات يقال إنّها وُضعت لمكافحة الفساد، لكنّ الواقع يؤكد أنّ فيها ثغرات كثيرة، وتسمح باستثناءات كبيرة، وبالمحاباة والفساد. نُصاب أحياناً بالغيرة، عندما نسمع عن التقدّم الإداري في دول كثيرة، محيطة أو بعيدة، ففي بلاد كثيرة أصبحت التراخيص والموافقات والتسجيل تجري عن طريق بضع خطوات إلكترونية بمنتهى السهولة، وصلت إلى درجة كبيرة من الإصلاح الإداري الذي يساهم بدوره في تسهيل التجارة والصناعة وضخّ أموال للدولة.

وعندما نتحدّث عن سوء الأحوال واستمرار الفشل والفساد الإداري، يخرجون علينا بالاتهامات بأنّنا خونة، وعملاء، وإخوان مسلمون، ومأجورون، ونريد الإساءة لسمعة مصر، على الرغم من أنّ العكس هو الصحيح، فمن ينتقد هدفه هو الإصلاح في الأساس، أو التنبيه إلى الأخطاء والسعي إلى العلاج. أما النفاق والتطبيل وإنكار المشكلة فهو ما يؤدي إلى هدم الأمم مثل السوس الذي ينخر من الداخل. هل الخطأ من الأفراد أم من مطبّقي القانون؟ المشكلة أنّ كلّ تلك اللوائح والقوانين المتراكمة منذ عشرات السنين، تم تعديلها عشرات المرّات، ويفترض أنّها تهدف إلى منع التلاعب والتزوير والفساد. ولذلك، على الرغم من مركزيتها الشديدة وتعدّد الجهات التي لا بدّ من موافقتها على أيّ طلب، تجد أنّ كلّ القوانين واللوائح مليئةٌ كذلك بالمجاملات والمحاباة، ولذلك تكون المنظومة غير عادلة، تعتمد، في الأساس، على مزاج الموظف الذي يطبق اللوائح المعقدة، أو تعتمد على قدرات طالب الخدمة، والذي يستطيع تسهيل كلّ التعقيدات بأمواله واتصالاته. وهذا بالتأكيد لا يبني وطناً، إذا كانت كلّ خطوة مليئة بالتعقيدات والموافقات والتوقيعات. وهناك دائماً من يرغب في وضع العراقيل، إما خوفاً من المساءلة أو طمعاً في رشوة مقنّعة تحت شعار تسهيل الإجراءات المعقدة، هذا ما يؤدي إلى غياب تكافؤ الفرص، وهروب العقول المفكرة وغياب الابتكارات، هذا ما يؤدي إلى استمرار التخلف عن باقي الأمم، حين يصبح الحفاظ على المنظومة العقيمة هو مقياس النجاح.