آخر الأخبار :

ماذا يريد قيس سعيد؟

سمير حمدي
سمير حمدي
2021/04/07 الساعة 11:38 مساءً

كما هو متوقع، رفض الرئيس التونسي، قيس سعيد، ختم قانون تنقيح المحكمة الدستورية، وردّه مجدّدا إلى البرلمان، وتبريره أن المحكمة الدستورية كان ينبغي إرساؤها في غضون سنة من انتخابات 2014، كما تنص الفصول الانتقالية الواردة في الدستور، وهو ما يمثل خللا إجرائيا. وزاد هذا الموقف في تعقيد المشهد السياسي التونسي ومزيد الاحتقان، وكأنما البلاد لا يكفيها ما هي فيه من أزمة اقتصادية، وما يرافقها من انتشار الجائحة الوبائية.

لا يُفاجأ المراقب الموضوعي لطبيعة أداء الرئيس قيس سعيد بموقفه هذا، إذ هو، في النهاية، محصّلة طبيعية لطريقة تفكيره التي حوّلت الطابع السياسي لموقع الرئاسة إلى مجرّد ممارسةٍ تقنيةٍ تتعلق بالفصول الدستورية وكيفية تأويلها، غير أن الإشكال يكمن في حرص الرئيس الحالي على لعب دور رئيس السلطة التنفيذية، وفي الوقت نفسه، انتحال موقع المحكمة الدستورية الشاغر، وهو ما يفسّر حرصه على بقاء هذا المكوّن الأساسي للنظام الديمقراطي غائبا عن المشهد، لأنه ببساطة سيفقده أمرا يعتبره مجال تميّزه عن خصومه، أعني مسألة تفسير النصوص الدستورية واحتكار تأويلها.

المشكلة أن حالة الانغلاق السياسي تجاوزت مرحلة الصراع بين الرئاسات الثلاث والخلاف بين الكتل البرلمانية، لتلقي بظلها الثقيل على التسيير اليومي لدواليب الدولة، فرئيس الجمهورية الذي رفض التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الحكومة ونال ثقة البرلمان أدّى إلى شلل واضح في أداء جملة من الوزارات، ما زالت تُدار بالنيابة. وفي المقابل، كان أداء الرئاسة في مجال اختصاصها الحقيقي كما حدده الدستور، وهو العلاقات الخارجية، يدعو إلى الاستغراب، ففي غضون سنة ونصف السنة من العُهدة الرئاسية شهدت تونس تعيين خمسة وزراء للخارجية (تعيينات تتم بقرار من الرئيس)، والعجيب أن هذا المنصب الذي كان أكثر المواقع استقرارا واستمرارية بعد الثورة، مقارنة بالوزارات الأخرى، أصبح أكثرها تقلّبا وتغيرا، من دون أن يُدرك أي من المتابعين أسباب هذه التغييرات ولا مبرراتها. ومن ناحية أخرى، يواصل الرئيس سياسة الغياب عن المؤتمرات الدولية، وجديدها القمة الأفريقية المنعقدة عن بعد، والمخصصة لمكافحة وباء كوفيد 19 يومي7 و8 فبراير/ شباط الماضي. ويبدو أن تجنّب الرئيس أي نشاط خارجي، خصوصا في المجال الأفريقي، وهو الامتداد الطبيعي للدولة التونسية، قد عوّضه بالتركيز على الانغماس في الصراعات الداخلية في البلاد، وهو في هذا لا يقوم بدور تجميعي للفرقاء السياسيين، أو راع للحوار الوطني، بقدر ما يطرح نفسه طرفا في الصراع، وهو ما زاد في تعميق الأزمة الحالية.

ما يثير الاستغراب حقا أنه، على الرغم من مرور أكثر من سنة ونصف السنة، على أداء الرئيس القسم (23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019)، لا احد يدرك بالضبط ما يريده الرئيس، فهو لم يقدم مبادرة تشريعية واحدة إلى البرلمان، ولم يطرح أي مشروع سياسي يمكن مناقشته وطرحه للتداول العام للمواطنين. وإذا كانت بعض المواقع تتداول مواقف سابقة له قبل الرئاسة عن ميله الشخصي إلى نظام حكم يلغي الأحزاب، ويعتمد الديمقراطية المباشرة، بما يشبه النظام الجماهيري للراحل معمر القذافي في ليبيا، فإن هذه المواقف تبقى مجرّد تخمينات، لأن الرئيس، منذ توليه منصبه، لم يتحدّث يوما عن مشروع سياسي واضح المعالم. بل وعلى النقيض من هذا تماما، ظل حريصا على التمسك بأهداب الدستور، والتشدد في الشكليات القانونية والمسائل الإجرائية، من دون أن يُظهر أدنى مهارة سياسية، ولا قدرة على التعامل مع الأزمات. وحالة الغموض السياسي، والارتباك في الأداء، والشكلانية في فهم المبادئ الدستورية، زادت في تأزيم الأوضاع أكثر مما قدّمت حلولا.

كان على الرئيس التونسي أن يدرك أن الديمقراطية ليست مجموعة قوانين ومؤسسات وإجراءات شكلية، بل هي قيم ومفاهيم وثقافة وأسلوب حياة ونمط لإدارة الأمور، تجد ملاذها في إيمان المجتمع بها وثقته بمؤسساتها. وما يجري اليوم محاولة لدفع الناس إلى الكفر بالديمقراطية، وهو ما يعني آليا دفعهم نحو أحضان التنظيمات المتطرّفة، والحنين إلى زمن الدكتاتورية. النظام الديمقراطي هو أصعب نظام للحكم، لأنه لا يقوم على فكرة المركز الواحد للقرار، ولا على استئثار شخص أو حزب أو طائفة أو قبيلة السلطة بشكل مطلق، ولأنه يسمح بالخلافات السياسية، وبشكل علني، وهو ما يسبب انزعاجا لمن اعتاد على تلقي الأوامر والخضوع. ومع ذلك، يبقى أفضل نظام ابتكره البشر لإدارة شؤون المجتمع، وأسوأ الديمقراطيات تظل أفضل بكثير من أصلح الدكتاتوريات. والأكيد أن النظام الديمقراطي قادر على إصلاح أخطائه التي تمنح الفرصة لصعود بعض الوجوه الشعبوية أو القوى الفاشية التي ينبغي أن تدرك قبل غيرها أن صعودها مؤقت. وما ينبغي أن ينتبه إليه أصحاب السلطة في تونس اليوم أن محاولة تعطيل المسار قد تجعله يتعثّر، ولكنها لن تمنعه من الاستمرار.