آخر الأخبار :

عاد لينتقم

سما حسن
سما حسن
2021/04/07 الساعة 11:41 مساءً

عندما كنا صغاراً أبرياء كنا نصدّق حكاوي الكبار، عن الأشباح التي تعود لتنتقم من قتلتها. وأخبرنا الكبار أن الأشباح لا تظهر إلا لأرواح معذّبة قتلت ظلماً، فتظل هائمة لا ترتاح وتطوف حول قاتلها أو من تعتقد أنه سوف يبحث عن قاتلها حتى تظهر الحقيقة فتهدأ، وغير ذلك، فهي تقوم بأعمال شرّيرة، مثل إشعال الحرائق، لكي تلفت الانتباه لها، وكأنها تقول: أنا لا أشعر بالراحة، خذوا حقّي ممن ظلمني.

وكبرنا وتغيرت الصورة المرعبة التي كانت ترغمنا على النوم باكراً، خوفاً من أن يتعثر بنا شبحٌ هائمٌ على وجهه، والسبب بالطبع هو طابع الدراما هذه الأيام الذي أصبح أكثر رعباً من الأشباح، ومفرزاً كل هذه الجرائم التي تُرتكب حولنا، وكل ما نسمعه ونراه من عنف في البيوت، وبين العوائل أزواجاً وأبناء، لأن الدراما هذه الأيام تجسّد شخصية البطل المنتقم ممن ظلموه، وأول طريق الانتقام أن يصبح البطل فاحش الثراء بعد فقر مدقع.

الغريب أن هناك من يتشدّقون بأنهم يغفرون ويسامحون، وهناك من يتغنّون بقدرتهم على نسيان من ظلمهم، ويكتفون بالقول ورفع شعار "يعجبني الزمان حين يدور"، ولكنهم، في الحقيقة، يكونون قد أسرفوا في الانتقام بكل الطرق حتى خرّبوا حياتهم، لأنهم، في النهاية، أهدروا عمراً وهم يحاولون الاقتصاص، وربما استنفدوا من طاقتهم الكثير، ثم قرّروا الاستسلام أو أنهم ما زالوا يحاولون فعلا، ولكنهم يردّدون تلك المقولة عن الزمن الذي يقتصّ بكل براعة، لأن ما تفعله اليوم سوف يعود إليك غدا فعلا، ولكننا نفتقد للصبر، أو نوغل في ثقتنا بأنفسنا، وربما السبب اعتقادنا أننا أصبحنا أقوياء، والقوة لا تفعل الخير دائما.

الممثل الذي يلقب نفسه" نمبر وان"، أي رقم واحد في مصر، وهو محمد رمضان، يصمّم، في كل رمضان، أن يقتحم الدراما الرمضانية بمسلسلٍ يشتغل على الثيمة نفسها، الانتقام. ويبدو أن إفلاس الكتاب والمخرجين والمنتجين، والاكتفاء باسم البطل الذي أصبح الشباب يقلدونه، للأسف، وهو لا يفعل شيئا سوى ممارسة العنف والبلطجة في كل شيء، ليس في أدواره، بل في حياته الشخصية أيضا. ولذلك هناك دعايات واسعة لمسلسله الجديد "موسى" هذا العام، ويدور حول القصة نفسها، وهي شخصية العائد المنتقم الذي يقرّر أن ينتقم ممن ظلموه بعد أن امتلك المال والنفوذ، وقد حصد "برومو" المسلسل ملايين المشاهدات في ثلاثة أيام.

في القرآن الكريم نماذج للعفو بعد المقدرة، والعفو بعد أن يمتلك الإنسان المال والنفوذ والسلطان، وخير مثال على ذلك قصة إخوة يوسف الذين كانوا يغارون منه لحب أبيه له، فألقوه في البئر، وجاء من ينقذه ويحمله ليصبح خادما ويدخل السجن. ولكن الزمان دار، وعلينا أن نعجب من دورة الزمن في هذا القصص، حيث أصبح يوسف ملكا على مصر، وشاءت الأقدار أن يلجأ له إخوته، فعفا عنهم وقرّبهم منه، وهو القادر أن يودعهم السجن، أو يرمي كل واحد في بئر كما فعلوا به. وهناك قصة فتح مكة، حين قال الرسول محمد لأهل مكة الذين نكلوا به وأخرجوه منها أن يذهبوا فهم طلقاء. ليس الحديث هنا درس وعظ ديني، ولكنه عن خطر مُحدقٍ بنا وبأولادنا، فالانتقام نار تحرق صاحبها قبل الآخرين. ولذلك حرص النص القرآني على ذكر نماذج للعفو والصفح، كي لا نغفل عن هاتين الفضيلتين، وألا نتعجل دورة الزمن، وهي تقتص، لأنها قد تدور بالعكس، أو تهرسنا تحت رحاها المرتبكة.

ربما علينا أن ندرّب أنفسنا على الصبر، وأن نستخلص العبر من قصص دورة الزمن، وعودة الحق إلى المظلوم ولو بعد حين. وحتى يحدث ذلك، علينا أن ننأى بأنفسنا وبأولادنا، الذين هم الجيل الصاعد وخلفاؤنا على هذه الأرض، عن مسلسلات الدراما الدموية التي تُذكي نار الانتقام والحقد فيهم، فالمجرم يظل مجرماً، ولا يمكن أن يصبح بطلاً لأنه قرّر أن يأخذ حقه بيده.