صور الغياب

نجوى بركات
نجوى بركات
2021/04/14 الساعة 01:54 صباحاً

الصورة تحلّ مكان الغائب. نأمل رؤيتها كل يوم، لنتأكد أن الغائب لم يُنس بعد، وأن دماءه لن تذهب هدرا. الصورة، وجودها المستديم، عدم أفولها، تعني أن ساكنها ما زال حاضرا، ولم يتحوّل إلى ذكرى بعد. الذكرى هي النسيان، ومَن غابوا، كما غاب لقمان، يجب أن لا يُنسوا. كل حين وحين، نرى صورته تعلوها عناوين أجنبية في كبريات الصحف والمجلات العالمية، فنتنفّس الصعداء. ما زال القتيل حيّا إذن، يسير ولا يتوقّف، يسافر ويسائل ويحاكي الضمائر ويرفع رمحه ويحارب. صفر خوف، أجل يا لقمان، والآن صفر موت. نحن استنفدنا ما في حيلتنا، بكينا وكتبنا واستنكرنا، مدركين في أعماقنا أنك، ومهما تشبّثنا بك، لن تلبث أن تغادرنا إلى غياهب الذكرى، كما غادرَنا كثرٌ من قبلك. ثم فجأة، تظهر صورتُك أمامنا، يفاجئنا وجهُك، قولُك، فنشهق فرحا.. نعم فرحا، لأنك ما زلت بيننا تحكي وتعترض، ولأن حقيقتك لم تُطوَ بعد. وإذ نراك ملوّنا، أو بالأسود والأبيض، نحبّ أن نفكّر أن موتك لن يذهب هباء وأنه سيوصلك إلى حيث ترجو، وأنك، كما في حياتك، ستكون في مماتك مقداما، متقدّما، مقدّما كلّ ما في وسعك. يكتبون في صحفهم عنك، لأنك ولبنان المغلوب على أمره، المنتهَك القتيل، صرتما واحدا. لأنك الأخير في سلسلة اغتيالات حرمت البلادَ من نبضها، ولأنك الأوّل الذي سقط في الجنازة الطويلة التي بدأت بعد انفجار 4 آب وتدمير قلب بيروت. تعلم يا لقمان، ونعلم، أنك لن تكون الأخير، وأن ليلنا الطويل ملحٌ وعرقٌ ودماء، لذا نرجو أن تقاوم صورتُك الوقتَ القاتلَ فلا تتقادم ولا تغيب. (مرفأ بيروت) المكان بات لحظة. الساعة 6.08 مساء في 4 آب/ أغسطس. في رواحي ومجيئي، أتقصّد ألا ألتفت إليه، أُبقي يديّ ثابتتين على المقود، ونظري ملقًى إلى الأمام. أرفع صوت الموسيقى، كي يطغى على جلبة أفكاري. جثّةُ العملاق ملقاة على الشاطئ. ثمّة من يتوقّفون لالتقاط صور. إنها سياحة الموت. تعليب ذكرى الكارثة وحفظها في بطن كاميرا مسطّحة لا تُقيم اعتبارا للتفاصيل أو تفقه كُنهَ ما تلتقطه. المرفأ القتيل بات هو أيضا صورةً تفيض عن الإطار كما يفيض الزبد. أذهب إلى موعدي وأعود. الطريق هو نفسه. الازدحام يفتّت إرادتي. أفتح النافذة. أسود الحريق، الهياكل المحطمة المبقورة، الركام الأبكم، ولحظةُ انكسارنا فتهاوينا. بقايا لحظة أبوكاليبتية أودعتنا رعبَها وذلَّها اللذين سنبقى نتناقلهما من جيل إلى جيل. المكان اختُصر في لحظة، واللحظة امتدت لدهور. هذه لحظة التدمير والتأسيس لما سيأتي، لكن ما سيأتي ليس آتيا وقد فرغ المستقبل من كل معناه. الصورة تقول هذي المرّة الانتهاءَ، النفاد، الخلاء. صورة المرفأ الممتلئة كسورا وشظايا وركاما، هي صورة الخواء في أبهى تجلّياته، خواء لبنان وخفّته التي لا تُحتمل. (صورتي) أفكّر في الصورة التي سيختارونها لي بعد موتي. الصورة الجميلة أكثر مدعاةً للتعاطف والحزن. سيبكون إن بكوا، صورتي، وليس أنا كما متّ. سيبكون الصورة التي لم تكن أنا مطلقا. الصور لا تعادلنا مهما كنّا لأنها خياناتنا ذواتنا. أنا لستُ في الصورة التي تعلّقون عليها أو تضعون لها اللايكات. أنا في النصّ الذي أقرأ وأصوغ، فلم لا تجدون فيه صورتي وتُهملون المتنَ لصالح الهامش. سأموت وستحزنون على صورة ليست أنا، سترثونها وسأكون خارجها، فيغمرُني إحساسٌ بالخسارة والفقد. الكلمات أصدق من الصور وإن قيل العكس، لأن الكلمات امتدادُنا، مِدادُنا، مَدانا الذي لا يحدّه حدّ. لا تبحثوا عن كاتب في صورة له، وإن أحببتموه، فلا تبيحوا الفرجة، وإنما القراءة والإصغاء.