ماذا وراء تسريبات ظريف؟

فاطمة ياسين
فاطمة ياسين
2021/05/02 الساعة 11:08 مساءً

امتلأ الفضاء الإعلامي بتسريب اللقاء الذي أجراه وزير الخارجية الإيرانية، جواد ظريف، وأوضح فيه، بلهجةٍ مليئة بالحزن، مدى خضوع وزارة الخارجية للحرس الثوري، ومستوى تدخلات القائد السابق لفيلق القدس، قاسم سليماني، في السياسة الإيرانية. وشبّه ظريف وزارة الخارجية بـ"عامل نظافة"، مهمته إزالة النفايات الناشئة عن سلوكيات فيلق القدس في الخارج. ظهر في المقابلة مدى بؤس هذه الوزارة، وضعف فعاليتها، في مواجهة جهاز شبه عسكري لديه خطط مستقلة عن توجهات المؤسسات الرسمية، ولديه من الإمكانات المادية ما يجعله قادراً على تنفيذ هذه الخطط، وتوجيه الخارجية لتسويقها أو تبريرها. وكانت الاتفاقية النووية التي أبرمتها إيران مع أميركا ودول أوروبية مادة للتجاذب بين وزارة الخارجية وفيلق القدس، ويُظهر شكل التجاذب مقدار استهتار فيلق القدس، ومن خلفه الحرس الثوري، بموضوع عالمي بهذا الحجم، ومدى ضعف هذه الوزارة التي يجلس على رأسها ظريف منذ ثماني سنوات، فيما يهندس اللواء المذكور السياسات الخارجية قبل ظريف، وقبل الرئيس حسن روحاني ذاته، وقبل كل التيار "الإصلاحي" في إيران.

مع نهايات الحرب العراقية الإيرانية، شكل فيلق القدس قوة عسكرية واستخباراتية، تعمل مستقلة وفق رؤى تصدير أفكار الثورة الإيرانية إلى الخارج. وكانت كيانات عسكرية مشابهة قد عملت، وفق المنظور ذاته، على فترات متقطعة قبل ذلك التاريخ، ولعلها واكبت انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كفرقة القدس، وهي وحدة خارجية عملت في لبنان منذ وقت مبكر، وساعدت في تشكيل مليشيا حزب الله، وأمدّته بمادة عسكرية، وكذلك الفرع 900 الذي قام خلال الحرب مع العراق بمهام استخبارات خارجية على الحدود أو في عمق الأراضي العراقية، لتأمين المعلومات، أو لتشكيل الخلايا المناصرة أو بث أفكار الثورة. ثم تجمعت هذه الكيانات كلها في فيلق القدس الذي يشرف عليه مباشرة المرشد الأعلى، مع تبعية إدارية للحرس الثوري، وهذا مؤسسة عابرة للمؤسسات، لا تنطبق عليه القوانين الإيرانية إلا بشكل مزاجي وانتقائي، فيعمل وكأنه دولةٌ موازيةٌ لها تأثير غير منظور، ولكنه واضح وحاسم. واكتملت الحالة التي يقوم عليها وجود لواء فيلق، حين أصبحت السيطرة ذات المدى البعيد إحدى بنى الفكر الإيراني الجديد بعد الثورة، فقد تعلّم ملالي إيران من الحرب مع العراق بأن الاحتفاظ بمدى تكتيكي إقليمي صديق أمر في غاية الأهمية، وقد تطوّر هذا المفهوم لتطويل اليد الإيرانية، في محاولة للوصول إلى القارّات البعيدة.

لم يَظهر تسجيل ظريف مصادفة أو خطأً بالطبع، ولم يأتِ لتصحيح وضع شاذّ، فهذا الوضع معروف في إيران، ولدى كل الدول التي تتعامل معها دراية إلى حد بعيد بوجود نواة سياسية تصدر عنها القرارات المهمة، وتتخذ المواقف، وهي المرشد ذاته وحفنة من سدنة الحرس الثوري الذين يؤمنون بسياسة وضع اليد. لكن الشريط سُرِّب لإظهار ظريف بمظهر المتمرّد الخارج على سياسة المرشد، ومنعه من مجرّد التفكير في متابعة طريقه السياسي. أما "فضيحة" وضع وزارة الخارجية ودورها الكاريكاتوري، فلا بد أنه موضع فخر لجنرالات الحرس الثوري، وتوكيد لمكانتهم الكبيرة في تصنيع السياسة في إيران.

أظهرت المقابلة مدى جهل وزير الخارجية عندما قال إنه عرف من الوزير الأميركي السابق، جون كيري، أن إسرائيل قد شنت مائتي غارة على منشآت إيرانية في سورية، وأن عدد الرحلات الإيرانية لدعم الأسد قد زادت ستة أضعاف، ولم يعرف هذه المعلومات من مصادر إيرانية داخلية. هذا لا يعني بأن هناك ازدواجية حكم في إيران، بل أن إيران تُحكَم وفق سياسة ثابتة وموحدة، ومن غير الضروري أن يعرف بها وزير الخارجية، أو حتى الرئيس "المنتخب"، فلدى هذين مهام خاصة صغيرة، يؤدّيانها بطريقة ببغائية ثم يمضيان. ومن يفكر في أن يتجاوز حدوده الضيقة قد يلقى مصيراً فضائحياً على الطريقة التي جرت مع ظريف.