آخر الأخبار :

علي جمعة وحشيش ليل رمضان

عبد الحكيم حيدر
عبد الحكيم حيدر
2021/05/08 الساعة 01:28 صباحاً

ترك الشيخ علي جمعة كل شيء، جائحة كورونا، ومصائب القطارات، وإعدام العشرات، وهلال رمضان، وبركة العشر الأوائل منه، وغزوات الرسول، وضرب "إسرائيل" غزة، ودموع أطفال المُعسِرين في سداد ديونهم من الأمهات والآباء من آلاف الغارمين والغارمات خلف القضبان في السجون، وتعطّل مجرى قناة السويس، وديون الخارج والداخل، كل مصائب مصر أقفل عليها علي جمعة بأقفاله الفقهية وضبّته ومفتاحه، وتفرّغ بكل همةٍ ونشوةٍ وبغددةٍ فقهية لحشيش ليل رمضان، فمشكلات مصر محلولة عاجلاً أو آجلاً، إلا الحشيش الذي بات غاية المواطن ومنتهى طلبه، بعدما شبع من الكماليات كافة، فلا شيء يعذّب المواطن ويؤرّقه في بر مصر، في رأي فضيلته، إلا الحشيش ليلاً في رمضان.

ألم يعرف فضيلة الشيخ أن مصر، بكامل أجيالها الحالية والآتية، مقبلة على أبواب مجاعة مائية، كما قال رئيس الوزراء، وألم يسمع من سيادة رئيس مصر أننا شعب "فقير أوي"، وأنه يتمنّى من شعبه أن يترك له "الفكّة"، كي يقيل عثرات الوطن من الملمّات، كالسيول والأمطار ومصائب البلّاعات في الشتاء؛ فلماذا تأخذ فضيلته الأماني إلى الحشيش رأساً غالي الثمن بالطبع، وفي ليل رمضان أيضاً، وفي الشهر الكريم الذي نزل فيه القرآن على نبيه، فهل سدّ الشيخ علي جمعة كل نواقص مصر من اللقاحات، بعدما وصل عدد المصابين من يومين إلى الألف، ووصل عدد المتوفين إلى ما فوق الخمسين؟ فأي فقهٍ هذا الذي يسوق شيخاً فذّاً إلى دخان الحشيش ونسائمه "فقهياً"، في ليل رمضان، وأسرّة مستشفيات وطنه تئن بأوجاع جيرانه بما يقارب الألف بني آدم يومياً من المصابين بكورونا؟

هل نسي فضيلة الشيخ أن من لا يهتم بأمر المسلمين، ليس منهم؟ وهل هناك أمرٌ ما، أخطر من جائحةٍ تمر بوطن؟ فكيف مرّ الحشيش بباله أصلاً، ونحن في هذه المصائب والملمّات، علاوة على أمننا الوطني ومستقبل أولادنا وبناتنا وحقنا في المياه والحياة؟ فهل الحشيش أهم فقهياً من الحياة؟ وهل الدخان الأزرق والصهللة في مساء رمضان أهم، فقهياً، من أمواج النيل اللينة الهادئة الحنون، ومياهه العذبة التي تشفي العليل، وغنّى لها محمد عبد الوهاب "الميه تروي العطشان"، ونجاة الصغيرة "يا نيل يا اسمراني ياني"؟ فكيف تناسى فضيلته ذلك كله وفتح باب فقهه للحشيش في ليل رمضان، وفي ذلك الشهر الكريم الذي عبرت فيه قواتنا المسلحة إلى الضفة الأخرى من القناة في العاشر منه، ومات الشهداء أيضاً، علاوة على آلاف الجرحى؟

ألم يفكر الشيخ علي جمعة يوماً في أن سداد ديون مصر أهم عند الله والسلطان، والناس أيضاً وصحتها، من أي دخان أزرق ومن أي حجر معسّل ومن أي شيشة ومن أي قرش حشيش أو قرشين؟ ألم يسمع عن دعوة الرئيس، حينما قال: "صبّح على مصر بجنيه"، فبدلاً من أن يسهل فضيلته للمواطن بجواز الحشيش في ليل رمضان، وعدم حرمته أو حتى كراهيته، وهو بالطبع يكلف المواطن مائة أو مائتي جنيه في القعدة، حسب ما سمعت، فأوْلى به أن يصبّح على مصر، أم الدنيا وتاجها ودرّتها، بجنيه كل صبح فقط، ويوفر الباقي لصحته وأولاده وللفقراء من أهله وجيرانه، ولماذا إلى الآن لم يردّ عليه الشيخ أحمد كريمة، حبْر الأمة وفارس وحارس فقهها الشافعي؟ فهل هو في رحلةٍ فقهية إلى ماليزيا مثلاً، ولن يرجع إلا بعد رمضان؟ ولماذا تأخر الأزهر الشريف في الرد، وهو المليء بالعلماء من البوابة حتى الميضة؟

أعرف أن الأخوة من أهل السلف في إجازة فقهية، إلى ما بعد بناء سد النهضة، وأعرف أن كل الأنبياء في المجاعات، بمن فيهم سيدنا يوسف، كانوا بمثابة رجال اقتصاد وسط شعوبهم، وخزّن سيدنا يوسف الحبوب خوفاً من المجاعة، ولم يفكّر قطّ في حل أزمة الشعب بالحشيش، والعياذ بالله، فكيف لم يقرأ فضيلته سورة يوسف ويتأملها، ودخل إلى جواز تدخين الحشيش في ليل رمضان رأساً، وهو الذي كان عليه أن يشدّ من أزر شعبه، لا أن يتركه لحافة الضياع والكسل والمتع الزائلة التي أودت بأمم وإمبراطوريات من قبل؟ فهل البلدان والأمم، يا فضيلة الشيخ، تُبنى بالحشيش، أم بالعلم والمستشفيات والمعامل والمصانع والمزارع من أعناب ورمان وقمح ونخيل، بدليل أن الرئيس أمر بزراعة أربعة ملايين نخلة في الصحراء، وليس أربعة ملايين شجرة خشخاش، والعياذ بالله؟