آخر الأخبار :

’’بين السما والأرض‘‘

معن البياري
معن البياري
2021/05/08 الساعة 01:30 صباحاً

كان نجيب محفوظ يقول إنه لا علاقة له بالأفلام والمسلسلات والمسرحيات المأخوذة من أعماله، فتلك محسوبةٌ على مخرجيها، وهو مسؤولٌ عن قصصه ورواياته كما نشرها. ولكن ماذا عن مسلسلٍ تلفزيونيٍّ مُنتجٍ في العام 2021 مستوحى من قصةٍ كتبها محفوظ، لم ينشرها في أيٍّ من مجموعاته القصصية (عددها 19)، ولا في أي صحيفة أو مجلة، وإنما كتبها لفيلمٍ أُنتج في 1959، فلم يقرأها سوى صنّاع الفيلم، واسمه "بين السماء والأرض"، وخصوصا كاتبي السيناريو، صلاح أبو سيف والسيد بدير، والأخير كاتب الحوار، وأبو سيف هو المخرج؟. لا يكفي أن يُقال إن لا علاقة لمحفوظ بالمسلسل الذي انتهى، أخيرا، بثّ حلقاته الـ 15 (هذا جيد بالمناسبة) في موسم رمضان الحالي "بين السما والأرض" (الهمزة حاضرة في الفيلم وغائبة في المسلسل). ببساطة، لأن مخرجه، محمد العدل، وكاتب السيناريو والحوار، إسلام حافظ، لم يطّلعا على القصة غير الموجودة، (هذا مرجّح إلى حد التأكيد)، وإنما شاهدا فيلم أبو سيف، واستوحيا منه مسلسلهما، بعد أن أحدثا تغييراتٍ أكثر من جوهرية، ونجحا بشكل ممتاز في مواضع فيه، وأخفقا بشكل مريع في أخرى. والقول هنا إنهما لم يكونا أوفياء مع صلاح أبو سيف، عندما غيّبا اسمه، واسم فيلمه الباقي جذّابا منذ أزيد من 60 عاما، وكان وفاؤهما للأديب العالمي نجيب محفوظ (حَرِصا على وصفه في التتر هكذا) استخداميا.

كان في الوُسع أن يتسامح واحدُنا مع هذه الملاحظة، غير الشكلية (؟)، لو أن المسلسل حافظ على شيءٍ من رؤية محفوظ في قصته غير المقروءة. ومع التسليم بحقّ صنّاعه، وهو متقنٌ في تتابع محكياته، وفي أداء عددٍ طيّب من الممثلين فيه (محمد ثروت خصوصا)، في أن ينتقوا ما يشاءون من قصة فيلمٍ عتيق، ويطبخوا منها وحواليها الفكرة التي يريدون، إلا أنه يبقى لنا، نحن النظّارة، أن نطلب مطلَبنا إياه، عدم استعباطنا، أي أن تحمل الوقائع المتتابعة، ولو أريد أن تتّصف بالمفارقة، مقادير من الإقناع. أقلّه من أجل أن يتّسق المسلسل مع مُراده، ومضامينه، وقبل ذلك وبعده، مع جمال الحكاية ودراميّتها وإيقاع مسار حوادثها، فلا يُعقل أبدا أن شركة صيانة مصاعد يتم الاستنجاد بها، في زمن الهواتف النقالة، لإرسال لوازم لإصلاح المصعد العالق في العمارة (وفيه 11 شخصا)، تبعثها مع شخصٍ أبله، فاقد الإحساس بالمسؤولية إلى درجة كاريكاتورية، بدا التصنّع فيها مفرطا، ليتم بهذا تسويغ مضي ساعات ورطة العالقين في المصعد، فلا تتم نجاتهم.

النهاية السعيدة في الفيلم طبيعية، بمجيء الدفاع المدني ومعالجة الحالة، وإنقاذ العالقين في المصعد. كما أن "الآكشن" فيه، حيث الاشتباك بين الشرطة وعصابة لصوصٍ أرادوا سرقة خزنة شركة في العمارة بدا في محلّه. أما أحاديث الذين حُشروا في المصعد، عند تعطّله، ولا يعرف بعضُهم بعضا، فأعطت التلقائيةُ فيها، وكذا المفارقاتُ والقفشاتُ الطريفة، الحسّ الفكاهي للفيلم، متوازيا مع مضمونٍ اجتماعي، عندما أريد أن يكون بين العالقين لصٌ بسيط (عبد المنعم مدبولي) وأرستقراطي متكبّر (عبد السلام النابلسي) وزعيم عصابة (محمود المليجي) وممثلة (هند رستم) وامرأة حامل (نعيمة وصفي) وهارب من مستشفى المجانين (عبد المنعم إبراهيم) و..، عندما أريد هذا، فإنما للإحالة إلى مفارقاتٍ اجتماعيةٍ وطبقية. وبدا الفيلم واقعيا، فلم يقع في مبالغاتٍ ومحمولاتٍ لم يكن ممكنا أن يحملها. أما مسلسل محمد العدل، فمُراده أن يتّسق مع موضة الانشغال بإرهاب الإسلاميين، القضية التي يكاد لم يخرج عنها أي مسلسل مصري في موسم الدراما الراهن. تمّ تعطّل المصعد بتدبير عصابةٍ تتبع تاجرا متديّنا ملتحيا متشدّدا، تخطيطا منه لتفجيرٍ في حفل عيد ميلاد في منزل أسرة مسيحية في العمارة، ليموت فيه الأستاذ الجامعي الكاتب العلماني المتنور (هاني سلامة)، لأنه تزوّج من ابنة أخت هذا التاجر، والصراع بينهما خيط مركزي في الحلقات، لكنه سطحي، وفيه افتعالٌ ظاهر. تنفجر القنبلة في مختتم المسلسل، وتحذّر الشرطة السكان منها فينجو كثيرون، ليس منهم ضابط الشرطة، ولا العالقون في المصعد الذي أنجبت الحامل فيه ولدها (نورهان)، ومات فيه أيضا الرجل الطيب والمبدئي (أحمد بدير).

احتفى فيلم صلاح أبو سيف بالحياة، بالفكاهة، بالنجاة من الموت والسرقة، ولم "يوفّق" حبيبٌ وحبيبتُه في محاولتهما الانتحار. أما مسلسل "بين السما والأرض" فقد أجاد، نسبيا، في إقامة تقاطعاتٍ مركبة بين قصص العالقين في المصعد، وفي تحياته في كل حلقةٍ إلى موسيقى بليغ حمدي، لكنه استعبط الجمهور، واستغفل نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف، في قصة تفجير إسلاميٍّ عمارةً لأن ابنة أخته تزوّجت "كافرا".