آخر الأخبار :

كل هذه الرداءة

رشا عمران
رشا عمران
2021/05/10 الساعة 02:32 صباحاً

منذ زمن طويل، لم أتابع مسلسلات في شهر رمضان المبارك، لا مصرية ولا سورية ولا عربية مشتركة. عوّضتني منصة نتفليكس عن شهوة الدراما، أو بالحقيقة أتاحت لنا جميعا، أقصد من تستهويه الشاشتان، الكبيرة والصغيرة، ملاحظة الفرق الهائل بين الإنتاجين، الغربي والعربي، ليس فقط في السينما، وإنما أيضا في المسلسلات ذات المواسم المتعدّدة، إذ نحن أمام عالم آخر في الإخراج والسيناريو ودقة التوثيق (في المسلسلات المنتجة عن مراحل زمنية سابقة)، وطبعا التصوير والموسيقى. أما الفرق بين الأداء التمثيلي بيننا وبينهم فهو من النوافل. ولكي لا نظلم ما لدينا كثيرا، فإن الشرط الرئيس لإنتاج عمل درامي نوعي ليس متوفرا للأسف في بلادنا، أقصد الحرية، حيث لا رقيب لا سياسي ولا ديني ولا أخلاقي على ما ينتج. لا سلطة سياسية تسيطر على شركات الإنتاج وتستخدمها لترويج ما تريده، أو لتبييض تاريخها. ولا سلطة اقتصادية تريد التقرّب من السلطة السياسية فتنتج ما يرضيها. أما موضوع الحريات الفردية فقد أصبح شأنا لم يعد مجال نقاش في العالم الغربي، بينما لا نزال نحن نتعارك حول البدهيات في الحقوق الفردية والعامة (سبب ما نحن فيه من الخراب المطالبة بجزء يسير من الحريات العامة والخاصة). ومع ذلك، لا يمكن لمن يتابع منصة نتفليكس أن يغفل عن المحتوى السياسي في بعض إنتاجها، ذلك المحتوى الذي يروج لدولة إسرائيل (القوية والمتحضّرة وسط محيط متخلف وبائس)، بتجاهل متعمد ومقصود للأسباب التي جعلت من هذا المحيط متخلفا وبائسا، وأولها وجود دولة محتلة عنصرية ودينية ومجرمة كإسرائيل وسط هذا المحيط. وبالتالي ارتباط وجود الأنظمة السياسية (العسكرية والأمنية) التي فتكت وتفتك بشعوبها بوجود هذا الكيان المحتل.

خطرلي هذه السنة متابعة بعض المسلسلات على منصّة عربية تعرضها من دون إعلانات. ووسط العدد الكبير من الإنتاجات الدرامية العربية لهذا العام، لم أستطع متابعة أكثر من ثلاثة مسلسلات، "الطاووس" و"لعبة نيوتن" و"نجيب زاهي زركش"، وهذا أضعف الثلاثة، لكنه خفيف وغير متعب للأعصاب، عدا عن أن يحيى الفخراني ما زال يتمتع بقدراته التمثيلية العالية، على الرغم من تقدمه في السن. وقرأت مقالات تشيد بمسلسل "بين السما والأرض"، المتميز على الأقل بعدم الإطالة، 15 حلقة، لكنني أجّلت مشاهدته إلى ما بعد رمضان.

لفتني في بعض المسلسلات التي حاولت متابعتها وتوقفت الكم المهول من الإسفاف، ومن ترويج قيم البلطجة والنصب والفهلوة، أو تزوير الحقائق التاريخية، ولأحداث ما زالت تحدث، لصالح الأنظمة الحاكمة، أو الانفصال عن الواقع الاجتماعي والسياسي العربي الحالي، حيث تدور معظم المسلسلات في مجتمعاتٍ لا تمثل سوى شريحة صغيرة جدا من المجتمعات العربية، فيلات وقصور فاخرة، أحدث أنواع السيارات، مجوهرات وملابس "سينييه"، أموال تُصرف من دون حساب، أماكن سياحية يقتصر مريدوها على طبقة محددة، ما يعيد إلى الأذهان سؤال القذافي الشهير: من أنتم؟

يمر العالم العربي منذ العقد الماضي في أسوأ مراحله، على كل المستويات: نسبة فقر لا سابق لها، انهيار اقتصادي كامل في بلدان كثيرة، لجوء وتشرّد وموت، أطفال شوارع وتسول غير مسبوقين، تسرّب ملايين الأطفال من التعليم، سجون ومعتقلات تمتلئ بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي الذين لا يعرف أحد عنهم شيئا، دول فاشلة وأنظمة مجرمة وفاسدة، تحالف كارثي بين السلطة السياسية والمالية المتمثلة برجال الأعمال الذين أثروا من الفساد الطويل، تحالف مشابه مع المؤسسة الدينية التي تقاوم بشراسة أي محاولة للتغيير السياسي والإجتماعي، حتى المؤسسات الدينية التي تدّعي معارضتها الأنظمة الحاكمة، فهي ليست سوى نسخة أخرى عنها، هزائم على كل المستويات، وفشل في كل شيء، عام وفردي وخاص، نسبة انتحارات مهولة بين الشباب العرب، إدمان على المخدّرات، اضطرابات نفسية مرعبة تحكي عنها إحصائيات المنظمات الدولية المعنية، عدا عن الأمراض الفيزيولوجية ذات المنشأ النفسي، طبعا عدا عن الكارثة الكبرى المتمثلة في كذب الحكومات فيما يخص "كوفيد – 19". أما ما ينتظر بلادنا من الجفاف ـ بسبب احتكار دول في الإقليم مياه الأنهار الكبرى، فليس سوى تفصيل صغير عن الفشل المريع للأنظمة العربية الحاكمة التي تهرول لإظهار مزيد من الذل أمام إسرائيل تحت اسم التطبيع.

تشبه الدراما العربية الحالية في رداءتها الأوضاع التي تتسبب بها الأنظمة الحاكمة، ولطالما كانت هكذا بالمناسبة. ثمة ارتباط وثيق بين الأنظمة وشركات الإنتاج الدرامية، القليل النافذ من هذه الردءاة ليس سوى إثبات لقاعدة تتكرّس عاما وراء آخر.