آخر الأخبار :

في ضرورة النضال المستدام

سوسن جميل حسن
سوسن جميل حسن
2021/05/28 الساعة 10:41 مساءً

مع إعلان وقف إطلاق النار في فلسطين، ودخوله حيّز التنفيذ في الساعات الأولى من يوم 21 مايو/أيار الحالي، يمكن القول إن العالم العربي بشكل خاص، والمتابعين من بقية أنحاء العالم بشكل عام، قد تنفسوا الصعداء، لما كان لهذه المعركة، التي ليست الأولى في حرب طويلة الأمد بين العدو المحتل والشعب الفلسطيني، من وقع مؤثر في النفوس، خصوصا لجهة العنف الذي مورس بحق المدنيين والضحايا الفلسطينيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وقد فاق نسبة الخمسين بالمائة من عدد الضحايا، عدا الدمار الهائل في البنية التحتية، وما لحق بالمشافي والمدارس ومرافق الحياة الحيوية.

حقّ للشعب الفلسطيني، والعرب عمومًا، أن يبتهجوا بما أنجز، على الرغم من فداحة الثمن. والحقيقة أن هذه المعركة كانت بمثابة مشعر لوجدان العرب في كل مكان، لما تشهده المنطقة العربية من ويلاتٍ وحروبٍ وانهدامات، وتعمّق في الشروخ بين الشعوب وأنظمتها، وهذا ما جعل قسمًا من هذه الشعوب يتخوّف ضمنيًّا من الحرب. وقد كانت كاتبة هذه السطور من بينهم، مستبطنين مبرّرات كثيرة للخوف الذي يسكنهم، خصوصا أن صور الدمار وأشلاء الأجساد، والأطفال خصوصا، كانت مبرّرًا قويًّا له، مشفوعًا بتحليلاتٍ قد تبدو منطقية، إذا ما فكّر المرء في أمد المعركة، وإلى متى يمكن لشعبٍ محاصر بأشد أنواع الحصار منذ عقود، مهدّد بأمنه وحياته وصحته ووجوده كلّه، أن يصمد في وجه آلة جبّارةٍ ونظام عنصري حاقد لا يعترف بأي ضوابط أخلاقية وغير أخلاقية.

ربما يعاني مواطنون عرب كثيرون، سواء جيل النكسة وما بعده، الأجيال الحالية، من القلق والخوف من الحروب والانتفاضات المسلّحة. جيل النكسة مسكون بالهزيمة وذاكرة الحروب الخاسرة، والأجيال الحالية مسكونة بالرعب مما آلت إليه محاولات الانتفاض على واقعها في وجه أنظمة عاتية الجبروت والطغيان. لذلك كان من الطبيعي في خضمّ الحالة العاطفية القصوى التي أحدثتها وتحدثها الحرب الإسرائيلية اليوم على قطاع عزة، والتي استنهضت المشاعر الجمعية في العالم العربي بعد عقود من الإحباط واليأس، أن يكون هناك قلق وخوف من نتائجها، بما تمثّل غزّة من صورة بالغة التركيز عن حصار وحشي، تمارسه سلطة الاحتلال منذ سنوات على مرأى العالم مجتمعًا. ومع هذا، الإيمان بالقضية والإصرار على الدفاع عن الحق جعل من أهلها يبتكرون ما يمكّنهم من إقلاق راحة الاحتلال، وجعله يعيد حساباته، على الأقل في الوقت الراهن.

العسكرة التي دُفعت إليها الانتفاضات في أكثر من بلد عربي، سورية واليمن والعراق..، نموذج حيّ، ولّدت خوفًا من الانزلاق إليها في فلسطين، إذ ليست هي أيضًا المرّة الأولى التي تشنّ فيها إسرائيل عدوانها عليها، لكنها المرّة الأعنف، من حيث تدمير البيوت والبنى التحتية وحصد الأرواح، من دون التفاتٍ، بالحد الأدنى، إلى المعايير الدولية والرأي العام والمجتمع الدولي، المجتمع الذي تشكّل لحمته القوى الكبرى المؤيدة في غالبيتها لإسرائيل، والتي تصنف حركات المقاومة الإسلامية تنظيمات إرهابية. ولا تصف إسرائيل التي تعتدي على المدنيين، والتي أيضًا تمارس الاستيطان وتطرد الفلسطينيين من بيوتهم، بأنها تمارس الإرهاب. مقارعة الطغيان في أكثر تجليّاته وحشية وفحشًا وجبروتًا قضية فائقة الحساسية والتعقيد، خصوصا في حربٍ طويلة. لذلك، تفيد المعارك من هذا النوع في إحداثها نقلة نوعية في مسيرة الحرب الطويلة، لكنها لا تحسم النتيجة.

المشكلة ليست فقط في حيّ الشيخ جرّاح أو الأقصى، على أهميتهما. إنها أكبر وأعمق من ذلك، هي مشكلة وجودية يعاني منها الفلسطينيون في كل مكان وكيفما كانت ظروفهم؛ في قطاع غزة أم في الضفة الغربية في ظل السلطة الفلسطينية أم في عرب الداخل والواقعين تحت سلطة الاحتلال، الفلسطينيون في دول اللجوء ومخيمات اللجوء، كلهم لديهم قضية واحدة، قضية فلسطين المحتلة التي تشكل ربما النموذج الوحيد في وقتنا الحالي لاستعمارٍ استيطانيٍّ بكل فجاجة. لذلك يجب استثمار نتائج المعركة الحالية، ويجب ألّا يذهب دم الضحايا هدرًا، ولا دمار البنى التحتية. الأهم هو النفس الطويل في حربٍ تطول، وهذا ما يفرض على النخب الفلسطينية أن تعيد النظر في تجاربها وسياساتها منذ "أوسلو". والمرحلة الحالية تتطلّب استراتيجية نضالية مختلفة، فمن الواضح كيف يتمادى اليمين الإسرائيلي على القرار وعلى الحكومات المتتالية، وكيف أن التيار المتشدّد العنصري الرافض حتى وجود الفلسطينيين من الأساس يجتاح المجتمع الإسرائيلي، هذا التيار الذي يعتبر أن نتنياهو لم يحقق الهدف المأمول في معركته أخيرا، على الرغم من وحشيتها. لذلك، توحيد الأهداف بين الفلسطينيين جميعًا، في الداخل والخارج والمخيمات ولدى الجاليات الفلسطينية في العالم، أمر في منتهى الأهمية، كذلك تفعيل النضال السلمي المدني، فإعلان وقف إطلاق النار لا يكفي من دون استدامة النضال، لأن لا ضامن من إسرائيل التي اعتادت، ببساطة، أن تضرب بكل الاتفاقيات والمعاهدات والقرارات الدولية عرض الحائط، والنكوص بكل التزاماتها منذ إعلانها. لذلك، النضال السلمي، خصوصا في الضفة وعرب 48، مطلب أساسي وملحّ في سبيل تمكين القضية الفلسطينية وحصد التعاطف والتأييد العالميّين، واستثمار اللحظة الراهنة التي أظهرت إسرائيل بهذا القبح أمام الشعوب التي كانت، إلى وقت قريب، مغيّبة عن الواقع والحقائق، أو مضلّلة بأجندات وأفكار عملت الصهيونية العالمية على تكريسها حقائق وحيدة.

العدوان على غزة، أخيرا، على الرغم من وحشيته، حقّق أهدافًا ربما لم تحقّقها المعارك السابقة، وهذا ما سيترك شعورًا إيجابيًّا لدى الشعوب العربية المصابة باليأس والخذلان، وربما يعيد إليها شيئًا ممّا فقدته من الثقة بالنفس، فتصحو على واقعها مرّة أخرى، وتعيد ترتيب أفكارها بالغد، وكيف يمكن رسم المسارات إليه. الشعوب المنتهكة خسرت أحلامها، وشوّهت حراكاتها وانتهكت حيواتها وأوطانها، وها هو الشعب السوري دليل واضح، بل للأسف صار مضرب مثل لكل ما يمتّ إلى سقوط الأوطان وانهيار التجارب الرامية إلى التحرّر من الاستبداد. وما جرى في لبنان أخيرا من مواجهاتٍ بين السوريين النازحين، وهم زاحفون إلى السفارة السورية، للمشاركة في انتخاب بشار الأسد، رافعين صوره، واعتداء مواطنين لبنانيين، بدفع من قياداتهم، عليهم، أكبر دليل على الأزمات المستعصية التي تعيشها هذه الأوطان، والتهديد الوجودي بأبشع صوره الذي يتربّص بهذه الشعوب. يعيش السوريون عيشة الذل والمهانة في مخيمات اللجوء في دول الجوار، وشعوب هذه الدول، خصوصا لبنان، تعاني من أزماتٍ بالشدة والعنف نفسيهما، في ظل أنظمةٍ لا تنتمي إلى شعوبها، بل هي عدوّة شعوبها. من الخفّة تأطير سلوك كل طرفٍ بحكم قيمي جاهز، وكلاهما يرزح تحت التهديد الوجودي بأقسى أشكاله، فكيف إذا لعبت السياسة بمقاديرهم، واستغلّت اللحظة والحدث المرتبط بها؟

أمام شعوب هذه المنطقة مسيرة طويلة وشائكة، يبقى عليها أن تؤسّس لهذه المسيرة، وهذا يتطلب نخبًا بدماء جديدة. من المفيد فسح المجال لهذه الأجيال في رسم خرائطها ووضع برامجها المستقبلية وعدم مصادرة إرادتها وخطوتها الأولى. علّ التجربة الفلسطينية الحالية تخطو باتجاه التكامل، وتكون منارة لشعوب المنطقة، مثلما كانت فلسطين بوصلة القضايا العربية كلها.