آخر الأخبار :

المقاومة الفلسطينية وأبواب التحرير

كمال عبد اللطيف
كمال عبد اللطيف
2021/05/28 الساعة 10:43 مساءً

دعنا من البحث في الأسباب المباشرة التي سمحت، منذ أيام، بإطلاق زغاريد ودموع المقاومة والتحرير في فلسطين، ودفعت إسرائيل إلى جرائم حربٍ جديدةٍ في المدن والقرى الفلسطينية، فَعمرُ الأسباب المباشرة، كما حصل ويحصل في الأرض المحتلة، تخطى اليوم سبعة عقود، تَمَّ فيها التنكيل بالفلسطيني وبأرضه وآثاره بكثير من العنف. ومن الطرد إلى التهجير والتشريد والاغتصاب، والقتل بأعتى الصور وأكثرها دموية... إذ لم تكن الجحافل الصهيونية الغازية تتردَّد في القيام بجرائمها وبصورة متواتِرة، فأتاحت لمن جمعت من صهاينة العالم ما مَكَّنَهم من التوطين والاستيطان والضَّمّ والمحاصرة، وتعميم القيود الخانقة على شعب أعْزَل، وبتواطؤ دولي مُعلن ومكشوف. لا تهمنا كثيراً الأسباب التي فجَّرت مقاومة اليوم، خصوصاً أنّنا نعيش، في هذه الأيام، أجواء الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة، نكبة شعبٍ يعاني من اغتصاب أرضه، وسرقة منازله ومدنه وقراه، شعب تَعَرَّض ويتعرض للنهب والانفجارات أمام أعين العالم أجمع.

نقرأ أفعال المقاومة التي يخوضها اليوم فلسطينيو الداخل، في سياق المواجهة المطلوبة دائماً، بينهم وبين من يستوطن أرضهم وبيوتهم، نقرأها بوصفها ردّ فعل على مآلات القضية الفلسطينية، وعلى مختلف أشكال التحوُّل التي عرفتها في العقود الأربعة الأخيرة، فلا أحد يستطيع إنكار أنّ فعل المقاومة الجارية اليوم يُعيد قضية التحرير إلى الواجهة، إنّه يذكِّرنا بالنكبة المتواصلة منذ أكثر من سبعة عقود، إذ يتكرَّر اليوم حصول ما حصل في النكبة، فيتواصل الضَّم والهدم والطمس، وتتواصل الْأَسْرَلَة، فكيف لا تنبعث شرارات المقاومة؟

ترسم أفعال المقاومة الجارية بالدم وبالحرائق أفقاً في الفعل التحرّري التاريخي، الحامل إمكانية التعميم والتطوير. على الرغم من صعوبات السياق العام وإكراهاته، ننتصر في حركة المقاومة الجديدة للفعل الوطني التحرّري في أبهى تجلياته، ونستعيد أشرطة العدوان والاغتصاب والاستيطان، وتزوير التاريخ، ونُعايِن الكيفيات التي تَمَّ بها تركيب تاريخٍ جديد بالحديد والنار. لِنَدَع الفعل المقاوِم يتكلم، يُترجم المواقف على أرض فلسطين، فما يحصل اليوم، تساهم تقنيات التواصل في توسيع مساحات حضوره وتعميمها، حيث يستمع العالم أجْمع لنبضِ الفصولِ الجديدة من ملاحم التحرير الفلسطينية... لِنَتَسَلَّح بالأمل الذي يمكن أن يوقف سنواتٍ من التردُّد والخوف، مُقَابِل الانفلات الإسرائيلي المتعاظم بالغطرسة وبالأساطير الصهيونية. يقتضي سياق المقاومة الجارية التذكير بصعوبة المعركة، كما يقتضي التنويه بالانتفاضات والمقاومات التي ساهمت في بناء معركة التحرّر الفلسطيني المتواصلة، فقد واجَه الآباء كائناً استعمارياً من طراز خاص، وُظِّفَ في سياق الحروب التي انخرط فيها الغرب الإمبريالي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وساهمت أوروبا، وهي تغزو العالم، وتُرَكِّب خرائطه، في منحه معالم محدَّدة، قامت بالتقسيم والتوزيع والخداع والانتقام والسرقة. ولم يشكل حدث النكبة سنة 48، حدث السطو وإعلان دولة إسرائيل، إلّا الوجه المُعْلَن والمكشوف. أما تهجير الفلسطينيين وطردهم وتشريدهم فقد تَمَّ طمسه، على الرغم من أنّه استعمل كقاعدة مؤسسة لدولة مسروقة من أهلها. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقَّف المعارك، ولم تتوقَّف الحروب والهزائم والانتصارات، تَمَّ السطو على بعض الأرض بالحديد والنار والمال، والخيانات والمكر. استعملت كلّ الوسائل، من التطهير العِرقي إلى إخلاء القرى وأحياء من المدن، تغيير أسماء الأماكن وتزوير التاريخ بالأساطير التوراتية، لإقامة دولة يهودية في فلسطين قلب الوطن العربي.

لا نفصل بَهَاءَ مقاومة فلسطينيي الداخل الجارية اليوم وقوّتها عن انتفاضات آبائهم ومقاوماتهم، نضعها في سياقها، ولا نفصلها عن سِجلّ معارك الفلسطينيين المتواصلة من أجل استقلال الأرض والإنسان. إنّه يعكس جوانب من تحولات القضية في التاريخ، وهي تُعَدُّ بمثابة ردّ فعلٍ تقوم به اليوم أجيالٌ جديدة في فلسطين، مُسْتَنِدَةً إلى معطياتٍ وتراكماتٍ تمنحها سماتٍ خاصة... إنَّها تتجه لمقاومة الغطرسة والعنصرية الإسرائيلية، فقد توهمت إسرائيل أن تداعيات الصراعات القائمة اليوم في المحيط العربي تسمح لها، أكثر من أي وقت مضى، بمزيدٍ من تضييق الخناق على الفلسطينيين، وذلك بمزيدٍ من الاستيطان والضّمّ، وتوسيع دائرة الأنظمة العربية المطبّعة، متناسيةً أنّ الشعوب العربية لا يمكن أن تطبّع مع الصهيونية وخياراتها المتوحِّشة. وقد عملت مع حليفها الأكبر وبعض الأنظمة العربية من أجل تطبيع عربي أوسع... ينشأ فعل المقاومة اليوم، ليقف ضد التطبيع وضد العدوان الإسرائيلي، وهو فعلٌ يعلن، أيضاً، فشلَ اتفاق أوسلو الذي جَمَّدَت إسرائيل إجراءاته منذ سنوات، مُستطيبةً سجن فلسطينيي الداخل ومحاصرتهم.

يستوعب أفق المقاومة الجارية اليوم أولى خطوات التحرّر والتحرير، إنّه يستعيد أمامنا الملامح العامة للمشروع الوطني الفلسطيني، التي غَيَّبَتْها إسرائيل، وغَيَّبَها الفاعل السياسي الفلسطيني قهراً. في ضوء ذلك، نُقِرُّ أنّ ما يجري في القدس، وفي مدن الداخل وقراه، يُعَدُّ أفقاً في التحرير. ونتصوَّر كذلك أنّه ردّ فعل قوي على الانقسامات الفلسطينية، وعلى الخيانات... ردّ فعل قوي على هوان الأنظمة العربية المُطبِّعة في السِّر وفي العَلَن. إنّه، أولاً وأخيراً، ردّ فعل ملحمي على تاريخ دموي من العنف الإسرائيلي القائم والمتواصل.

لا تتردَّد إسرائيل، وهي تواجه حركة المقاومة الجديدة، في ارتكاب جرائم حرب جديدة تضيفها إلى سِجلِّ تاريخها الدموي. إنّها لا تدرك أنّ الزلازل التي فجَّرت المقاومة مجدَّداً أسقطت، إلى الأبد، أسطورة الْأَسْرَلَة الهادفة إلى طمس الأثر الفلسطيني والشعب الفلسطيني ومحوهما، على الرغم من الغارات والتفجيرات التي قام بها الصهاينة، منذ استوطنوا الأرض، وأحاطوا المدن بالأسلاك والأسوار. إنّها لا تريد أن ترى في فعل المقاومة ما يُعْتَبَر تمزيقاً لأسطورة "صفقة القرن" التي تستعيد، بمفرداتٍ أخرى، حكاية "الشرق الأوسط الجديد" التي دافع عنها صهاينة تسعينيات القرن الماضي.

تحملنا حركة المقاومة التي اشتعلت في مدن الداخل الفلسطيني وقراه إلى تفكيك أسطورة التطبيع الهادفة إلى دمج الكيان الصهيوني في المحيط العربي... إنها تكشف أمام العالم أن الشعب الفلسطيني الأعزل ما زال يصنع ملامحه التاريخية، يغذِّي آمال التحرير وأفق مشروعه الوطني، وهو ما زال يتعرّض للقتل والهدم والتهجير. أما الخطابات الإسرائيلية عن السلام والتطبيع والاستقرار وصفقة القرن فهي مجرّد حكايات تَنْسُجُها لتمرير ما يُعَزِّز شوكتها في أرض فلسطين، ويعزِّز حُلمها التوراتي "بأرض الميعاد".