آخر الأخبار :

قطعة من الجبن

سما حسن
سما حسن
2021/06/09 الساعة 09:28 صباحاً

أحياناً، تعتقد أنّك تحتفظ بداخلك بذكرى جميلة، ويلهبك الحنين إليها، وأنت تراجع تفاصيلها بكلّ دقة في مخيلتك، وتحدّث آخرين عنها، ولكنّ التفاصيل التي لا يشعر بها سواك تبقى لك في خانة الذكريات الدافئة. بعد مرور العمر وتكرار المآسي، تكتشف أنّ تلك الذكريات لم تكن إلا ستاراً لقصة عذاب ومسلسلا من الأسى، وأنّك كنت ترى ما يراه الناس، مثل أنّ جدّتك كانت تشتهر بأنّها صانعة جبنٍ ماهرة، وتستطيع أن تتذوق قطعة من الجبن من صنع يديها أشهى بكثير من أيٍّ من أنواع الجبن الشهيرة في العالم. وهذه شهادة لجدّتك في يوم الجبن العالمي. وما زال طعم فتات الجبن الذي كنت تتناوله في بيتها البسيط يضاهي أيّ طعم لجبنٍ قد تذوقته بعدما ذاع صيته، وملأت الإعلانات المشجعة على تذوقه كلّ وسائل الإعلام حولك، بل تحدّث عنه السائق الذي ينقلك إلى وجهتك، وأمّنت على حديثه طالبةٌ جامعيةٌ تجلس إلى جوارك، وأقسمت أمّ تجلس إلى يسارك بأنّها لا تختار غيره لأطفالها. تذكر جيداً نهاية السبعينات من القرن الماضي. وعلى الرغم من طفولتك المبكّرة فقد نُقش كلّ شيء في ذاكرتك، ورُصّ بنظام مثل قطع الشطرنج. هناك ماعزٌ نحيلة تبرز عظامها في حوش البيت، والجدّ وهو يرتدي السروال الشامي يحلبها كلّ صباح، ويحمل حليبها الشحيح إلى الجدّة في وعاء معدني. ولا تدري كيف يصبح قالباً صغيراً من الجبن مرصوصاً على قطعةٍ من الحصير، توكل لك جدّتك مهمة خاصة وسرّية، وهي أن تتسلل نحو مخبئها، وقد غطّتها بحجر صوان ثقيل، وتطلب منك أن تقوم بتعصيرها حتى ينزل منها القليل من الماء، وترتسم خطوط الحصير فوق سطحها الأبيض، ثم تعيد كلّ شيء إلى مكانه، والويل لك لو فكّرت بتذوق هذا القالب، والذي لا تعرف متى يصبح صالحاً للأكل. ولكنّك ترى جدّتك بعد أيام ترشّه بالملح، وتضيف له قطراتٍ من زيت الزيتون، ويصبح الزاد والزواد في بيتٍ خلا من الطعام. وربما جاء الجد ببطيخة صغيرة، وهذا يعني أنّك ستتناول وجبةً شهيةً لا تزيد عن الخبز منزلي الصنع، وفتات الجبن السرّي وقطعة من البطيخ. كان ذلك كلّه يعني ذكرياتٍ طيبة، وتعودت أن ينهش الجوع بطني الصغيرة، ولكنّي كنت أحافظ على مشاعر جدّي وجدّتي اللذين كنت ربيبتهما، وأقضي معظم أيامي في بيتهما لخدمتهما بسبب تقدمهما في العمر، ونزوح كلّ الأبناء بعد هزيمة حزيران 1967 إلى الأردن ومصر، وكيف أصبح البيت خالياً إلاّ من سرير محمد الذي تضع جدّتي تحته "الطبلية" وخزانة أحمد التي تحتفظ بها بطبلة مصنوعة من الفخار، كانت يوماً تدور على بيوت الجيران، حين يقيمون أفراحهم، وهكذا خلا البيت إلاّ من زيارات البنات مع أولادهن. ولكنّ جدّتي كانت تشعر بوحدةٍ تعبّر عنها بمسمياتٍ لأشياء في البيت بأسماء أولادها الذكور الذين اضطرّتهم الحرب إلى النزوح من غزّة، بعدما هُجّرت العائلة أصلاً من مدينة يافا في عام النكبة، وظلت جدّتي تبرّر الخيار المرير، لأنّها خافت على أولادها الشبان من أن يُقتلوا بأيدي الصهاينة الذين ارتكبوا في 1956 مجزرة وحشية بحق الرجال والشبان في المدينة. ولذلك، لم يكن أمام الأبناء سوى النزوح، مثل آلاف نزحوا بعد هزيمة حرب الأيام الستة، كما أطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي تفاخراً بمنجزه العظيم الوجيز. وظلت جدّتي مع جدّي العجوز في البيت الواسع ينتظران عودة الأبناء أو جلاء المحتلين، ولكنّ ذلك لم يحدُث، وانتقلا إلى رحمة الله تباعاً. وظلّ بيتهما فارغاً تتدلّى من سوره الخارجي أغصان شجرة تين عملاقة، وبين جدرانه المتهالكة قصة قطعة جبنٍ، حفظت ماء وجه جدّي وجدّتي بعد اغتراب الأبناء، وشحّ الرزق لتقدم جدّي في السن، مع معوناتٍ بسيطة من أمي التي كانت تدين بولاء كبير لزوجها، وترسلني لأكون ابنةً لجدّتي فأحببت الجبن، ولم أشبع يوماً منه.