إرث نتنياهو باقٍ إلى إشعار آخر

محمود الريماوي
محمود الريماوي
2021/06/12 الساعة 08:20 مساءً

بينما سادت أكثر من اللازم مشاعر الزهو بصمود غزّة وتصديها للاحتلال الإسرائيلي، وبينما انغمس كثيرون في النقاش في ما إذا كان ما حدث نصراً أم هزيمة، في ضوء إطلاق مئات الصواريخ على العمق الإسرائيلي، وعدد الضحايا والدمار الواسع الذي أصاب مظاهر الحياة والعمران في القطاع، في هذا الوقت كانت سلطات الاحتلال تواصل في اليوم التالي لوقف إطلاق النار تشديد الخناق على حي الشيخ جرّاح في القدس بغية طرد سكانه ومالكيه، وتواصل اقتحامات المسجد الأقصى بمشاركة مليشيات المستوطنين والشرطة. ولم تتوقف هذه الممارسات مع إعلان الثنائي يائير لبيد ونفتالي بينت نجاحهما في تشكيل حكومة جديدة، خلفاً لحكومة بنيامين نتنياهو، فيما الأخير ينكر ما جرى، ويتعهد بإبطال الإعلان عن تشكيلة الحكومة، ويعمل على شق صفوفها. ولافتٌ أن شرطة الاحتلال، ومعها الجيش، رفضت تسيير مسيرة الأعلام الإسرائيلية مقابل إصرار نتنياهو على تسييرها، حتى تم الاتفاق على تأجيل قيامها إلى الثلاثاء المقبل 15 يونيو/ حزيران الحالي، في وقتٍ تجيز فيه الشرطة استباحة "الأقصى"، وتشارك في عمليات الاقتحام، كما تجيز تشديد الحصار على حي الشيخ جرّاح كما كان الحال من قبل، وهو ما يدل على أن العقيدة الأمنية لدى سائر الأجهزة ثابتة في العمل على استكمال التهويد القسري وتوسيعه في القدس المحتلة، بصرف النظر عن خلافات إجرائية وآنية ما بينها.

وقد ربط معلقون، عن حق، بين طريقة استقبال نتنياهو إمكانية إزاحته وحلول رئيس حكومة بدلاً منه، وبين رفض الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، نتائج الانتخابات الرئاسية في بلاده، حيث وجه الشبه كبير في الحالتين. على أن الإرث السياسي لبنيامين نتنياهو باقٍ بعد رحيله المرجّح، بأكثر من بقاء الترامبية بعد خسارة ترامب في الانتخابات الأميركية. ولئن كان الحزب الجمهوري الأميركي يحتل مواقعه في الكونغرس بمجلسيه، ويواصل التمسّك بالرئيس المهزوم، مع الزعم أن جو بايدن سرق الفوز، فإن نتنياهو، في المقابل، يجد تمثيلاً لفكره اليميني المتطرّف في الحكومة الجديدة برئاسة نفتالي بينت رئيس حزب يمينا، ورئيس مجلس المستوطنات السابق، والذي فاخر بسجله بقتل عرب كثيرين "أين المشكلة في ذلك.." يتساءل القاتل اللطيف الذي بات رئيساً للحكومة، بالتناوب مع حزب "ييش عتيد"، يائير لبيد، وحزب تيكفا حداشا برئاسة جدعون ساعر، وحزب إسرائيل بيتنا برئاسة أفيغدور ليبرمان وحركة كاحول لافان. بينما يغيب الجمهوريون، وخصوصاً الصقور منهم، عن المواقع العليا في السلطة التنفيذية وفي المؤسسات الحساسة في الإدارة الديمقراطية.

وقد جاء الاتفاق الائتلافي بين المكونات الحزبية للحكومة الإسرائيلية الجديدة لكي يعيد صياغة البرنامج الأشد يمينية، وإن تفادى استخدام عبارات فاقعة، فقد نص على توسيع البناء الاستيطاني في القدس، إضافة إلى نقل مراكز الحكم والمؤسسات الحكومية إليها من تل أبيب، وهي خطوة لم يقم بها نتنياهو، أو أن الوقت لم يسعفه للقيام بها، وهو ما يجعل الوجود الفلسطيني العربي، بمختلف مظاهره، في المدينة العربية، وجوداً أجنبياً أو بحكم الأجنبي. وهذا التوجّه جرى التعبير عنه والاتفاق عليه بعد حرب الـ11 يوماً بين الاحتلال وفصائل المقاومة في غزّة. والرسالة أن لا شيء يتغير. يغادر نتنياهو، فيملأ كل من بينت وجدعون ساعر (المنشق عن الليكود) وأفيغدور ليبرمان هذا الفراغ، كي يبرهنوا للجمهور اليميني، الديني والقومي والعلماني، أن لا شيء قد تغير، وأنه قد جرى التخلص من نتنياهو وعجرفته التي سمّمت العلاقات مع يهود الولايات المتحدة.

لا يقلل المرء من أهمية وجود حزب العمل وحركة ميرتس لأول مرة بعد غياب طويل عن المشاركة في الحكومات الإسرائيلية، وبدرجة أقل وجود حزب يائير لبيد، وحزب كاحول لافان (أزرق أبيض) بزعامة بيني غانتس، إلى جانب الأحزاب الأكثر تشدّداً، غير أن الأرجحية سوف تبقى للأحزاب الأشد تطرّفاً. وسيكون من شأن وجود الأحزاب الوسطية إضفاء سمعة زائفة عن اعتدالٍ ما على الحكومة الجديدة، وقد تنجح هذه الأحزاب في تمرير قوانين مدنية أقلّ تشدّداً، غير أن الخط السياسي العام للقضايا الأكثر أهمية سوف يحسمه وزراء ليبرمان وساعر وبينت ولبيد. وليس لدى هؤلاء أي رؤية تتعلق بالسلام، وسوف يسعون الى تمرير الوقت من أجل استكمال المخططات الاستيطانية مع التعامل بعباراتٍ مبهمة وعائمة عن التفاوض مع الجانب الفلسطيني، مع تجنب الاصطدام بالإدارة الديمقراطية في واشنطن، ودعوة تلك الإدارة إلى مراعاة التوازنات في أوساط الرأي العام الإسرائيلي وداخل الكنيست، وافتعال مشكلاتٍ من نوع أنه لا يمكن التواصل مع أية هيئة فلسطينية تضم ممثلين لحركة حماس، والمقصود أية حكومة مقبلة أو أية تشكيلة للمجلس التشريعي، إذا قيّض للانتخابات أن تجرى.

وخلال ذلك، سوف يتواصل دور جيش الاحتلال وسائر الأجهزة الأمنية، وبزخم أكبر، مع مزيد من الضغوط على غزّة، وذلك تحت يافطة منع "حماس" من الإفادة من إعادة الإعمار ومنعها من تطوير قدراتها العسكرية، وكذلك الاستعداد لشنّ حربٍ أخرى، لمحو التوازن النسبي في الردع الذي أفرزته حرب الـ11 يوماً. وسوف تطغى مثل هذه الاعتبارات الأمنية على تلك السياسية، وعلى إمكانية استئناف مفاوضات سياسية بات الطرف الإسرائيلي يعتبرها عملياً جزءاً من الماضي، غير أنه سيناور مع أطراف إقليمية ودولية، لإبعاد شبح التفاوض الذي يرى فيه المستوطنون أنه ينذر بتقاسم الأرض!... والراجح أن هذه الحكومة سوف تتعرّض لضغوط شرسة من المجتمع اليميني الواسع، وداخل الكنيست، كما سوف يفعل اللا تجانس بين مكوّناتها فعله في اضطراب عملها، وهو ما قد يقصّر في عمرها، ويجعل منها حكومةً مؤقتةً قبل الانتقال إلى انتخابات خامسة.

يورد المرء هذه التقديرات التي يشهد بها واقع الحال، مع الإشارة إلى أن الفاعلين الإسرائيليين في الحكومة وخارجها سوف يتأثرون بمدى دينامية الجانب الفلسطيني في الحفاظ على الزخم السياسي وتصعيده وتثميره لرفع السقف، وفي مدى فاعلية الأطراف الإقليمية في التنسيق مع واشنطن للضغط على الحكومة الجديدة، من أجل وقف النهج الاستيطاني والصراع الديني والانتقال إلى فضاء سياسي. وإلى ذلك الحين، سيبقى إرث نتنياهو سارياً على أيدي نجوم اليمين الجدد.