هزة قلم! تختلف صرخة عن صرخة!

محمد الدبعي
محمد الدبعي
2021/07/18 الساعة 08:35 مساءً

لا يستوي المفجوع والموجوع والجربوع! لا تستوي الصرخات! فصرخات لها أنين، وأخرى لها رنين وطنين. صرخات مليئة بالأوجاع وأخريات يفيض منها الحقد والأطماع. صرخاتنا أيها الأحبة صرخات ثكالى مكلومة معدومة محرومة مأزومة مهزومة مكتومة، بينما صرختهم زئير قطيع أسود جرارة ثائرة جبارة. قالوا بأن صرخة المظلوم تكون عادة عالية تمزق سكون الكون، وتقطع حبال الصوت، وتكسر جدر الصمت، بينما صرخة الظالم تكون خافتة وإن علت، وصامتة وإن انفجرت، وتائهة حائرة وإن سطت وقدرت، لكننا نرى عكس ذلك في بلادنا اليمن. نرى الظالم يزلزل الوجود بجبروته، ويهز العروش بسطوته، ويمحق الرؤوس بصرخته، فتجد رؤوسنا مطأطئة، وأنفاسنا هامدة، وقوانا خائرة. صرخوا فعلوا ونالوا، وصرخنا فزدنا انتكاسا وهزيمة خنوعا. صرخوا فاستووا علينا، و صرخنا صرخة المطايا الذليلة فزدنا ذلة ومهانة. صرخنا وأوسعناهم سباً خافتا، وصرخوا فأودوا بالإبل بما حملت. نحن في بلاد الشقاء والهوشمة والعترة النجسة، في بلاد المتخاذلين والمنافقين ذوي الحكمة اليمانية قلبنا قوانين الكون، وعكسنا مرايا التاريخ، وقرضنا حروف الشعراء، ونكسنا رايات الأبطال. قال أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري: إن القيود التي كانت على قدمي صارت سهاما من السجان تنتقم إن الأنين الذي كنا نردده سرا غدا صيحة تصغي لها الأمم. أين هذه الصيحة؟ إنها عندهم هم، عند السجانين.

الكاتبة المغربية د. سعاد درير كتبت ذات يوم: (عندما تنام الأحلام، في مواسم الظلام، لن تجد غير الكوابيس تتجسد بفظاعة على أرض المعاناة، يَسُحُّ دَمٌ ويرتفع دعاء وتتمدد صلاة، ويذوب شمعُ قلبك كما يَصنع بمكعَّبِ زبدةٍ ضَغطُ حرارة مِقْلاة). طواحين الحرب والفساد والدمار والجوع والألم والمعانات بكل أشكالها ها هي ذي تَضرب بجذورها في أرضنا، تَحفر لها وشما في الذاكرة، وتفتح قبرَ الشاعر عبد الله البردوني ليصرخ فينا صرخةَ الثورة: فظيع جهلُ ما يَجري وأفظع منه أن تَدري وهل تَدرِينَ يا صنعاء مَن المستعمر السّرّي؟ غُزاة لا أشاهدهُم وسيف الغزو في صدري غزاة اليوم كالطاعون يَخفى وهو يستشري يحجر مولد الآتي يوشي الحاضر المزري.

لماذا لا نتألم كما تألم عبد الله البردوني: متألم، مِمَّا أنا متألم؟ حار السؤال، وأَطْرَقَ المستفهِمُ وصرخ في قصيدة أخرى: «سنمشي، سنمشي برغم القيود ورغم وعود الخداع الردي فقد آنَ للجور أن ينتهي وقد آن للعدل أن يبتدي فلن نخضع اليوم للغاصبين ولم نَسْتَكِنْ للعنا الأنكد ومرت علينا سِياط العذاب مرورَ الذباب على الجلمد وقل للمضلين باسم الهدى تَوارَوْا فقد آن أن نَهتدي وحَطِّمْ أُلوهية الظالمين وسيطرةَ الغاصب الْمُفْسِدِ.

كيف يجب علينا أن نصرخ؟ لنصرخ صرخة عنترة بن شداد العبسي: فصرَخْتُ فيهمْ صرخة ً عَبْسية ً كالرّعدِ تدوي في قلوبِ العَسْكر وعطفتُ نحوهم وصلت عليهم وَصَدَمْتُ مَوْكِبَهُم بصَدر الأبجر وطرحْتُهُم فوقَ الصّعيد كأَنّهُم أعجاز نخلٍ في حضيض المحجر ودِماؤُهمْ فوْقَ الدُّروعِ تخضّبَتْ منها فصارت كالعقيق الأحمر