شيوخ البوظة

وائل قنديل
وائل قنديل
2021/08/11 الساعة 04:35 صباحاً

طوال الوقت، هناك نوعيات ممن يطلق عليهم "رجال الدين"، يتم انتقاءها بعناية، ورعايتها وفرضها على المجال العام، وتضخيمها وتفخيمها، ثم فجأة يتم نسفها نسفًا وتحطيم صورها، ليكون الخاسر في النهاية هو مفهوم رجل الدين.

حدث ذلك في مصر العام 2012، وقت هيمنة المجلس العسكري على الحكم وإيهام الجماهير بأنه يتحدّى أميركا دفاعًا عن الاستقلال الوطني، ويحدُث الآن مع تربص الجنرال الحاكم برغيف خبز الفقراء، الأمر الذي تطلب تجييش مشايخ التلفزة وفناني المسرح وإعلاميي السامسونج لتسويق قرار رفع دعم الخبز بوصفه معركة مصير من أجل نهضة الوطن، حتى وصل الأمر بأحد هؤلاء الشيوخ إلى اتهام الفقراء باستعمال الخبز في تصنيع البوظة المسكرة.

هؤلاء الشيوخ ينمون ويترعرعون في كنف السلطات المستبدّة، للتشويش والشوشرة على علماء الدين الحقيقيين، أصحاب المواقف، الذين لا يبيعون الفقه والفتوى في دروب السياسة، ويهبطون بمستوى رجل الدين إلى مستوى ضاربي الطبل ونافخي المزامير.

أتأمل حالة مشايخ الكاسيت الذين يتم اقتيادهم إلى قاعات المحاكم هذه الأيام لانتزاع شهاداتٍ جديدةٍ منهم بإدانة جماعة الإخوان المسلمين التي اعتمدتها جماعة الحكم العسكري عدوًا بديلًا ووحيدًا واستراتيجيًا، فأجد أن هؤلاء المشايخ لا يشهدون ضد "الإخوان" بقدر ما يقدّمون شهادات إهانة وسخرية من مفهوم رجل الدين نفسه، وخصوصًا عندما يجري الكذب والتدليس على لسانه، مسايرة لرغبات صاحب السلطة الذي يحاكمه.

لست هنا بصدد التعميم، ذلك أن مصر لم تعدم وجود شيوخ ورجال دين حقيقيين، راسخين كالجبال، علمًا وموقفًا وجهادًا بالكلمة ونضالًا للدفاع عما ينفع الناس ويحفظ دماءهم وحياتهم، وإنما الكلام يتعلق بهؤلاء الذين صنعهم الاستبداد على عينه وبيده، حتى جعل منهم نجومًا ورموزًا، ثم استدار يكسرهم ويلتهمهم، ويبتذل صورة رجل الدين في أشخاصهم.

ارتبط اسم شيخ الفضائيات الشهير، محمد حسّان، بحكم العسكر عقب قيام ثورة يناير، فكان من أدوات امتهانها والإساءة إليها، باتخاذ مواقف وإطلاق دعواتٍ ومبادراتٍ ضد أبنائها على الدوام، بحيث شكّل، مع عدد آخر من أقرانه، ما يشبه الدروع الدعوية التي تتصدى لكل حراك مناهض لعسكرة الثورة.

إبّان ما عرفت بقضية منظمات المجتمع المدني، تحول محمد حسّان، من غير مقدّمات، إلى ناشط سياسي يروج ما تريده منظومة حكم العسكر، من شعاراتٍ فارغة عن الكرامة الوطنية والاستقلال بمواجهة التدخل الأميركي في شؤون مصر، ليكون مثله مثل القومجية المحترفين الذين يبرّرون قتل المجتمع المدني بترديد أكاذيب أن الأسطول الأميركي يحاصر مصر ويستعد لغزوها، لإطلاق سراح النشطاء الحقوقيين المحتجزين على ذمة قضية تمويل المنظمات، التي جرى اختراعها عقب مذابح النظام العسكري ضد الثوار في أواخر 2011 جريمة قتل الثوار في شارع محمد محمود وامام مقر مجلس الوزراء وبدايات  2012، حيث جريمة ملعب بورسعيد ضد مشجّعي الكرة.

احتل الشيخ حسّان، في ذلك الوقت، شاشات التلفزة الرسمية وغير الرسمية، وقرّر أن يرفع سقف الهتاف القومجي أعلى من مصطفى بكري، فأعلن عن مبادرةٍ لجمع التبرّعات من المصريين، من أجل الاستغناء عن أموال المعونة الأميركية، لكي يبقى القرار الوطني حرًا، ولا تركع مصر (العسكرية) لضغوط واشنطن، معلنًا فتح حسابٍ لتلقي أموال التبرّعات المنهمرة، وهي التبرّعات التي جرى استخدامها ضده عقب انقلاب 2013 بالسؤال عن مصيرها، واتهامه بشكل مبطن بالتربّح من الموقف.

في تلك الأثناء، ومن دون مقدّمات، استجاب المجلس العسكري الحاكم في مصر لطلبات واشنطن، وأفرج عن ناشطي المجتمع المدني، وحطّت طائرة أميركية على أرض القاهرة لتحلق عائدة بمن تم إطلاق سراحهم، بينما كان الجميع يتأهبون لغزوة المعونة، تحت لواء الشيخ حسّان، الذي قام، بمنتهى الرشاقة والمرونة، بتغيير  عنوان مبادرته وموضوعها، ويعلن أن مبادرته "دعم مصر" تهدف إلى دعم الاقتصاد، وعائدها لن يوجّه إلى الموازنة العامة، ولكن لدعم الأنشطة الصحية والاقتصادية والتعليمية، ولا علاقة لها بإلغاء المعونة الأميركية.

لا قلق على هؤلاء الشيوخ الاصطناعيين من بطش النظام الذي يسيّرهم، فهم الآن في مهمة وطنية تستبق ذكرى جريمة السلطة في "رابعة العدوية" للإدلاء بشهادات زور ضد مبدأ الاعتصام الرافض للانقلاب، وضد ضحايا الاعتصام من الشهداء والمسجونين، كما أنهم يؤدون دورًا مطلوبًا في تشويه وتسفيه صورة رجل الدين بالمطلق.

غير أنه، بمواجهة هذه المشاهد المهينة، تبقى هنالك نماذج مضيئة ومحترمة من علماء هذه الأمة تعرّضوا ويتعرّضون لأبشع أنواع التنكيل، وأخسّ أشكال الانتقام الإجرامي، باستحلال أعراضهم وأموالهم وممتلكاتهم وأبنائهم، ومكانتهم العلمية الرفيعة، وعلى الرغم من ذلك، لم ينحنوا أو يركعوا أمام جبروت استبداد أو طغيان سلطة دستورها الظلم والقهر وسفك الدماء.

قارن بين مشايخ البوظة وعلماء الأمة الكبار من أمثال العلامة يوسف القرضاوي والدكتور سلمان العودة بالسعودية والإمام والمفكر الجليل الدكتور حسن الشافعي، وكثيرين آخرين، لتدرك أنه مهما سادت العتمة، تبقى هناك أنوار في نهاية النفق.