من يقف وراء سيف الإسلام القذافي؟

سمير حمدي
سمير حمدي
2021/08/16 الساعة 06:25 صباحاً

عاد سيف الإسلام القذافي إلى الظهور، ليطرح نفسه بديلا سياسيا ممكنا في أفق الانتخابات الرئاسية والنيابية المزمع عقدها في ليبيا قبل نهاية العام الحالي. والحقيقة أن أنصار القذافي وبقايا الكتائب العسكرية التي أدارت الحرب تحت قيادته لم تتلاش من ليبيا، على الرغم من هزيمتها سنة 2011، وظلت حاضرة ضمن تشكيلاتٍ مختلفة، سواء في صورة حاضنة قبلية أو حتى قادة مليشيات مسلحة، يمثل بعضها العمود الفقري للقوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر.

بعد إطلاق سراحه، لم تعد الجهات الداعمة لسيف الإسلام القذافي تخفي رغبتها في إعادة تأهيله لخوض المعترك السياسي، وربما الوصول إلى منصب رئاسة ليبيا، وهي تستند في هذا إلى توفر ثلاثة عوامل مهمة للصعود السياسي في الوضع الليبي الحالي. وتتلخص هذه الأسس في توفر مصادر التمويل. وثانيا وجود أطراف موالية له، سواء على أساس قبلي أو بقايا الكتائب الأمنية التابعة لنظام والده التي انضوى غالب عناصرها ضمن مليشيات خليفة حفتر، من دون أن يعني هذا أنها فقدت ولاءها الأصلي لعائلة القذافي. والعامل الأخير وجود دعم خارجي له، والذي تؤمنه روسيا التي بدت مهتمة كثيرا بإعادة تأهيله، ولم تنقطع علاقتها به، فقد استقبل مبعوث الرئيس الروسي الخاص بالشرق الأوسط وأفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، ممثلين عن "حركة سيف الإسلام" هما: مفتاح الورفلي وعمر أبوشريدة، في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي. وبالنظر إلى كل هذه العوامل، كان من الطبيعي أن يعبّر سيف الإسلام عن رغبته في ما سمّاه "إحياء الوحدة المفقودة" كما جاء في حواره مع صحيفة نيويورك تايمز.

ولكن هذه العودة ستكون أمامها محاذير كثيرة، أبرزها إمكانية الصدام بينه وبين اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فالأخير مهووس بفكرة حكم ليبيا مهما كان الثمن، وهو الذي تورّط في تنظيم انقلاب عسكري فاشل سنة 2014، وحاول بعدها السيطرة على العاصمة طرابلس، مستعينا بخليط من المليشيات والمرتزقة مع دعم إقليمي، غير أنه عجز عن حسم الصراع لمصلحته، ليجد نفسه مهدّدا بفقدان ما راكمه من مصالح في السنوات الماضية، في ظل حكومة الوحدة الوطنية التي تحظى بدعم دولي، وهو ما عبّر عنه، أخيرا، عندما صرّح بوضوح إنه لن يخضع لأي حكومة مدنية، غير أن مشكلة خليفة حفتر في مواجهة سيف الإسلام القذافي ستكون مختلفة تماما، فالجانب الأكبر من المليشيات التي يعتمد عليها هي في الواقع من أنصار نظام القذافي، وليس من المستغرب أن تنحاز، في أي لحظة، إلى جانب سيف الإسلام القذافي. وإذا أضفنا إلى هذا ميل الحليف الروسي إلى دعم نجل القذافي، وهو الذي يملك حضورا على الأرض، مُمَثّلين في مرتزقة "فاغنر" فمن الواضح أن الكفّة تميل إلى جانب سيف الإسلام القذافي في أي مواجهة محتملة بينهما ما لم تتجه الأمور نحو نوع من الاتفاق بينهما، بضغط روسي يتنازل فيها خليفة حفتر عن هاجس حكم ليبيا، وهو أمر لم تظهر له مؤشّرات على الأقل.

عودة سيف القذافي إلى الواجهة السياسية، بتاريخه المثقل بسنوات الاستبداد من حكم أبيه، بالإضافة إلى الدم الذي رافق ثورة الليبيين عليه، ومع تحولات المشهد الليبي المتسارعة طوال سنوات عشر، قد تفضي إلى تشكّل تحالفات جديدة غير متجانسة بين أعداء الأمس وتفكك أواصر العلاقة المفترضة بين المتحالفين سابقا، ولا يمكن فهم محاولات خليفة حفتر التصعيدية ضد حكومة الوحدة الوطنية من جهة، ورغبته الجامحة في تطبيع وضعه، عبر إصراره على اعتبار مليشياته هي الجيش الوطني لدولة ليبيا، إلا محاولة لاستباق الأحداث، فهو يدرك أكثر من غيره أن تفكّك قواته وارد جدا، في اللحظة التي تعود فيها مؤسسات الدولة الليبية متماسكةً. كما أن إمكانية تحوّل ولاء العناصر العسكرية التابعة له لخدمة منافسه سيف الإسلام القذافي ستكون أكثر ترجيحا، في صورة ترشّحه للرئاسة، وقد بدأت العناصر التابعة له ترويج صورته بوصفه منقذا لليبيا من أزمتها. المشكلة أن كل أمراء الحرب وبقايا زمن الاستبداد - يستوي في ذلك خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي أو قادة المليشيات الأخرى - لا يمكن أن يكونوا صورة لدولة ليبيا الجديدة ذات الحكم المدني المستقر. وعودة ابن القذافي، وإصرار حفتر على عدم الخضوع للدولة، وتحوّل مناطق مختلفة من ليبيا إلى جزر معزولة تحكمها مليشيات محلية، أو مجموعات المرتزقة الوافدة، لا يمكن أن تبشّر ببناء دولة مستقرّة، وإنما تشكل مزيجا قابلا للانفجار من جديد، والعودة إلى مربّع الاحتراب والعنف.