آخر الأخبار :

واقعنا الثقافي المعلوم والمأمول

أحمد حمود المخلافي
أحمد حمود المخلافي
2014/12/23 الساعة 10:47 مساءً
الثقافة هي تلك المعارف الحياتية التي تنبثق عن وجدان راقٍ نبيل.. وتصدر عن عقل يحترم خصائص التفكير البشري.. عقل يحترم العلم والحضارة..ولكن المتابع الحصيف لما يقال عنه ثقافة في وسائل الإعلام المختلفة.. يعتقد اعتقاداً راسخاً أن وسائل إعلامنا قد دشنت معركة ضد الثقافة.. حين يتلقى المثقف ثقافة دقيقة هذا النتاج يجده في وادٍ والثقافة في وادٍ آخر، وفي أحسن الأحوال يجده مسخاً مشوهاً للثقافة.. لأن أكثر ما يقال عنه برامج ثقافية قد أصبح هزيلاً ولا يلبي أي مطلب من مطالب الإنسان الثقافية.. هو باختصار بمثابة إعلان حرب مفتوحة ضد الثقافة الأصيلة.. ولعلاج هذه المشكلة نقترح الاستعانة بمختصين في تخطيط البرامج الثقافية.. وتعيين مشرف ثقافي لكل مادة علمية.. ينبغي احترام التخصصات التي أصبحت سمة العصر.. قامت الثقافة في الماضي على أكتاف أناس كان لهم رصيدهم الثقافي أساساً.. ولم يكونوا ممثلين لعملقة الأقزام.
من المفارقات الغريبة أننا نهاجم الطبيب الذي يوجّه خطأه الطبي إلى جسم الإنسان.. في حين أننا لا نشير مجرد إشارة إلى الأخطاء الموجهة إلى العقل.. وكأن العقل عندنا أصبح لا قيمة له.. لم تترك وسائل الإعلام أية بصمة إيجابية قوية على ثقافة جيلنا الحالي.. بل أنها على العكس باعدت بين شبابنا وبين التزود بالثقافة كما ينبغي أن تكون الثقافة.. بل ساهمت في السخرية من الثقافة الصحيحة والأصيلة والسليمة والجادة والهادفة.. ولا صلة بينها وبين الثقافة.. إلا إذا اعتبرنا أن الثقافة هي الوقوع في الأخطاء اللغوية التي لا نجد لها مثيلاً في كل وسائل الإعلام في العالم.. إن مجرد وضع لوحات فيها كلمات من قبيل: ثقافة.. ثقافية.. وعلم.. وعلمية، إلخ.. فليست أكثر من مجرد لوحات تخفي ما تحتها من سذاجة وابتعاد عن القيم الثقافية.. وإذا أشرنا إلى إحدى هذه الوسائل الإعلامية، سنجد أن (التلفزيون) هو الأبرز بينها.. ولكن لا يخفى علينا أثره السيئ على العقل اليمني.. وبرامجه تعبّر عن الاغتراب عن العقل والمعقول.. بل لا نبالغ إذا قلنا: إن ملايين الأشخاص الذين يشاهدون البرامج الحالية للتلفزيون قد يميلون إلى الأسطورة واللامعقول.. وبعيدين عن الفكر النقدي والمعقول تماماً، ولعل اللغة هي من أبرز الجوانب التي تؤدي إلى التكامل الثقافي.. بشرط أن تستخدم بقواعدها بدون أخطاء.
إن من أهم معوقاتنا الفكرية أننا نقدّس القديم لمجرد أنه قديم.. نقدس القائل به رغم أنه قد قال ما قال به لأسباب تاريخية.. أي أسباب خاصة بزمان معين عاش فيه، وبيئة معينة قضى حياته فيها.. وقد تكون ظروف اليوم غير ظروف الأمس.. قد تكون مطالب اليوم أو غداً غير مطالب الأمس البعيد والقريب.. نقول هذا ونؤكد على القول به نظراً لأننا مازلنا نجد في ساحتنا الفكرية من يفسد فيها ويريد لها أن تكون بوقاً ينعق بالخراب.
غير مجدية في اعتقادي الدعوة إلى إغلاق النوافذ.. بحيث لا نجد إلا الهواء الفاسد الراكد الذي يؤدي بنا إلى الاختناق والصعود إلى الهاوية.. لابد من فتح النوافذ حتى نجد الهواء النقي المتجدد.. الذي يؤدي بنا إلى الوجود.. إلى البقاء.. فالوجود باستمرار يرتبط بالنور.. وإن كان أكثرهم لا يعلمون!.. غير مجدية في اعتقادي، أيضاً، التوحيد بين المثقف الموسوعي، وبين المتخصص في مجال علمي محدد.. فإذا اقتصر اهتمام المتخصص على مجال معين فإنه لا يعد بالضرورة مثقفاً.. إنه لا يكون مثقفاً إلا إذا أضاف إلى تخصصه اهتماماً بالمجالات العلمية والثقافية على اختلاف أنواعها ومظاهرها ومضامينها.
ليس من المناسب إطلاقاً أن يزعم أي منا لنفسه أو لغيره أنه يعد مثقفاً في الوقت الذي لا تكون لديه اهتمامات فكرية وسياسية.
لا يصح للامعقول أن يطغى على المعقول.. لأن المعقول هو الذي يصحح اللا معقول.. وإذا انتصرنا للامعقول، يقيناً، سنصبح من أكثر المجتمعات تخلفاً وهمجية.. فلا يصح ونحن في القرن الواحد والعشرين أن يقيم اللامعقول محاكم تفتيش للعقل والمعقول.
وأخيراً، نطلب من كل مهتم أن يسأل شبابنا المثقف اليوم عن القضايا الفكرية.. وما تنتجه مطابع العالم من كتب.. عن أسماء كبار مفكرينا وأدبائنا.. يقيني أنهم لن يذكروا اسماً منهم.. ولا حتى بعضاً من أشباه المثقفين الذين تعرضهم وسائل إعلامنا.. كما إننا سنجد أن الشباب بوجه عام يحفظون، عن ظهر قلب، كل ما يتعلق بكرة القدم وأخبار نجوم السينما.. ولكنهم لا يكادون يدرون أو يدركون شيئاً عن الثقافة وقضايا الفكر.
 الرؤية المستقبلية كما نراها تقوم على نبش وغربلة تاريخنا الثقافي المغمور، مع الانفتاح على كل الأفكار والتيارات من خلال منظور نقدي
وبعد ذلك نقرر ما نأخذ ونستلهمه منها بوعي، أو نرفضه بموضوعية.. أما أن نظل في حالة تقوقع وسكون مكتفين بتمجيد الواقع الثقافي بكل سلبياته.. أو ندور في حلقة مفرغة بحجة التراث تارة.. وبحجة أن الغرب سيبتلعنا تارة أخرى.. فإننا سنظل جامدين عندها دون أمل في أدنى تقدم.. لذلك لا بد من وقفة نقدية ثورية.. ونختم بالقول: إن بلادنا عامرة بالمفكرين الجادين.. ومليئة بالأدباء والمثقفين النابهين.. فإذا كانت وزارة الثقافة حريصة على أن تكون الثقافة هدفاً من أهدافها، فيمكنها التفتيش عنهم، وإماطة اللثام عن جوهرهم، والاستعانة بهم لتنقذ نفسها من عثرتها الثقافية.. وإن لم تقم بذلك، فهي الخاسرة.. وليسوا هم بخاسرين!

 *صحيفة الجمهورية