آخر الأخبار :

الدوغمائية والعنف...وحق الاختلاف

أحمد مفلح
أحمد مفلح
2015/02/18 الساعة 11:13 مساءً
يقترن الاجتماع دائماً بالصراع، وهذه سمة طبيعية تحكم البشر والحيوان وعناصر الطبيعة كلها، وهي سنّة الحياة والبقاء وجدليتهما. وتتراوح أسباب الصراع البشري، وهذا ما يهمنا، بين اقتصادي ونفسي وديني وإثني وحدودي ... وغيره، أو منها كلها معاً، ولا تختلف مجتمعاتنا العربية، هنا، في هذه الأسباب عن غيرها من المجتمعات، لكننا نعيش، اليوم، صورة صراع جديد، أو متجدد، اعتقدنا أننا تخلصنا منه منذ قرون، ونقصد به "الصراع الدوغمائي"، أو الصراع الذي تحركه الدوغمائية، وهذا من أعنف الصراعات وأبشعها، لأنه يجمع مراحل العنف والإرهاب كلها، والعدوانية والحروب والإلغاء وصنوفها الفكرية والجسدية، ولا مجال فيه للقانون والمنطق والعقل ... ولا حتى الرحمة أو الإنسانية.
تُعرف الدوغمائية بأنها نهج "فكري" متزمت ومتحجر، لا يقبل النقاش، يقوم على الإيمان المطلق بامتلاك الحقيقة المطلقة، وكل خروج على هذه الحقيقة يُعتبر هرطقة وكفراً وعداوة، يحل ذبح حامله وإلغاؤه. لا مجال للاختلاف، وبالتالي، لا مكان للحوار، الإلغاء سيد الواقع والزمان والثقافة والسياسة والإعلام والقيم والدين والعلاقات الاجتماعية. وهذا ليس طارئاً على التاريخ العربي – الإسلامي، قرأناه مع الخلاف في شأن الخلافة الإسلامية وحروب علي بن أبي طالب ومعاوية، ومع الأزارقة الخوارج والمعتزلة والدويلات الإسلامية التي تناثرت في هذا التاريخ، ومع عقلانية ابن رشد وخصومه، قرأناه مع أصحاب الاجتهاد وأتباع السلفية. لكن، على أساس أن هذا النهج انتهى واضمحل، ولم يعد كامناً في الصدور، وتحت رماد التراث، وانتزع مع بعثات محمد علي باشا العلمية إلى الغرب، ومع رجالات النهضة بين أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين، وأزاحته، أو مسحت آثاره، الثورات العلمية والمعلوماتية والحداثة والعقلانية وثورة الاتصالات والانفتاح التي نعيشها اليوم، وتعيشها الأرض كلها. ماذا جرى، وكيف نُبِش هذا النهج وعُزّز؟ من أماط الرماد عنه، ونثره في عقول أبناء الأمة وأفئدتهم؟
ليس مصادفة ما يحصل. لكن، هل ما نعيشه، اليوم، هو امتداد "جيني" لما كان قبل قرون، واعتبرنا أن هذه الجينات اجتثّت من أصلها؟ بمعنى آخر، هل هذا النهج ركّب من جديد منذ أواسط القرن العشرين، مع وصول الديكتاتوريات العسكرية إلى الحكم، باسم القومية العربية وبعث الهوية العربية والحضارة العربية ... والنصر العربي، وإذا بالناس سرعان ما يكتشفون كذب هذه الشعارات، وعجزها، وقمع أصحابها وقهرهم شعوبهم، وسلخ إنسانيتهم، وقتل حريتهم، فارتدّ بعضهم إلى الماضي، هرباً من الحاضر والمستقبل، متقمّصًا الأساليب الإلغائية نفسها وزاد عليها، أو طعّمها بالفكر الدوغمائي الذي يتخذ من الدين (أو ما يفهم من الدين) محركًا مقبولاً من عامة الناس، وملجأً مفترضًا يهرب إليه من واقع بائس، مازجاً نهجه هذا مع التطورات العلمية ومصالح الآخر المتربص بالمنطقة وخيراتها؟ ففي بديهيات علم النفس أن سلوك الإنسان الناضج هو انعكاس لما اختزله اللاوعي في أثناء طفولته، ولما تعرض له خلالها من ممارسات وخبرات، ولو أخذنا جيل اليوم من الشباب، وفتشنا ماذا اختزل هذا اللاوعي عنده، واختزنه، فسوف لا نرى إلا القمع والإرهاب والعدوانية والعنف (الجسدي والرمزي والنفسي)، والقتل الذي تعرض له الآباء من أنظمتهم، الأمر الذي أجج عنده وحرّك جينات العنف التراثي والتاريخي، فثار ليس على الواقع فحسب، بل على سُنن الطبيعة وقوانينها أيضًا، ورفض الاختلاف والتنوّع والتعدد والتسامح والإنسانية، فانتظم الصراع بين الجماعات المنظمة، أو بمعنى آخر، كما يقول كرين برينيتون في كتابه (تشكيل العقل الحديث): "أصبح الصراع في نظام الحياة البشرية بين جماعات منظمة، وليس بين أفراد"، أي أن لا مكان للردع والقانون، خصوصًا أن القائمين على هذا الردع والقانون الذين عليهم الحكم بين الناس، بصفتهم مواطنين متساوين، وسواسية أمام هذا القانون، أصبحوا فريقاً أو تنظيماً من تنظيمات هذا الصراع. ولا ضابط أو منطق يظهر في الأفق، لتمكين القانون وتغليب العقل والمصلحة الإنسانية والمجتمعية، كما حصل، مثلاً، في الغرب، بعدما تفشى هذا العنف الدوغمائي نفسه في العصور الوسطى بين الكنائس نفسها، والامبراطوريات والعلماء (لمزيد عن هذا الموضوع، يمكن مراجعة كتاب عزمي بشارة بجزأيه: "الدين والعلمانية في سياق تاريخي")، لا أثر من هذا كله اليوم في المجتمعات العربية! هذا في الوقت طبعاً الذي قتلت فيه هذه الأنظمة الأحزاب والتنظيمات، وخنقت الآراء والأفكار والأيديولوجيات وثقافة الاختلاف، كما يقول خلدون حسن النقيب (في كتابه الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر)، لأن، بحسب هذه الأنظمة، "سبب فقدان الأمن وعدم الاستقرار هو تعدد الآراء واختلاف الميول، وتكاثر الأحزاب والتنظيمات التي تدعم هذا الاختلاف وتذكي روح الفرقة بين المواطنين، وتدفعهم إلى التعصب واستعمال العنف في حل الخلافات. لذلك، حتى يتحقق الأمن والاستقرار ... لا بد من حل هذه الأحزاب، وإذا كان لا بد من وجودها، فالتضييق عليها وخنقها لمصلحة الحزب الحاكم ..."، والنتيجة ما نراه اليوم.
السؤال الذي يطرح، هنا، وبات الجميع مسؤولًا عما يحصل: هل من أمل في الخلاص القريب؟ وكيف؟
طبيعي، هذا الوضع الشاذ وغير الطبيعي لن يستمر. لكن، ليس بالسرعة التي نتمناها، فما يجري اليوم من فنون القتل والإلغاء والتكفير ردّنا إلى القرون الوسطى، وزاد عليها مع توظيف المكتشفات والعلوم الحديثة. وهذا يلزمه إعادة تربية وانفتاح وثقافة قائمة على العقل والتسامح، بمعنى القبول بالآخر كما هو، بمعتقداته وآرائه وانتمائه، لا كما أريده أنا. وبالتالي، التسامح نهج وحق لكل مواطن، وعلى كل مواطن، وليس منّة من أحد تجاه أحد. والأهم أن نتعلم كيف نوظف القانون في حل خلافاتنا، وكيف يكون الحكَم بيننا بصفتنا مواطنين متساوين، لا ذميين أو رعايا أو بشراً وجدوا ليفدوا الحاكم بدمائهم، وكيف نتخلص من القبلية وقوانينها المعششة في عقولنا وقيمنا وسلوكنا ومداركنا، وكيف نتعلم من الآخرين (الغرب) وتجربتهم في الخروج من دوغمائيتهم، وكيف يكون "لي ديني ولكم دينكم"، وكيف "لا تزر وازرة وزر أخرى" ... ربما يطول التنظير. لكن، يحتاج هذا كله إلى أن تعلم كيف نختلف، أو أن نستبدل "ثقافة الاختلاف" بدلًا من "اختلاف الثقافة". وهذه إشكالية مطروحة في كل ثقافة إنسانية، وفي واقع كل اجتماع بشري، حيث لا يخلو مجتمع، أو حتى مادة من التعدد والتنوع، والانقسام والفرقة. لكن، كيف ندير هذا الاختلاف، ونحسن تدبيره؟ هذه هي الثقافة التي تنقصنا، ليس بالدوغمائية طبعاً، ولا بالإلغاء الذي حكم سلوكنا وطباعنا وتفكيرنا، بل بالتسامح وحقوق الإنسان والانفتاح ونسبية التفكير، فالاختلاف جوهر الديمقراطية.
يقول دريدا: "انطلاقًا من الاختلاف وتاريخه، يمكننا معرفة من نحن؟ وأين نحن؟ وما يمكن أن تكون عليه حدود عصرنا". ويعتبر هنتنغتون، صاحب نظرية صدام الحضارات، أن الهوية الثقافية أصبحت العامل الرئيسي في تحديد صداقات دولة ما وعداواتها، وأصبح سؤال "من أنت" بدلًا من "مع من أنت"؟ والجواب عن هذا السؤال هو الهوية الثقافية التي تحدد مكان الدولة في السياسة العالمية، وتحدد أصدقاءها وأعداءها.
فهل سنتعلم كيف نختلف؟ ومتى تعلمنا يعني سقطت الدوغمائية التي تحكم فكرنا، وتنعكس عنفاً في سلوكنا النفسي والإجرامي الإلغائي، وأصبحنا مجتمعاً إنسانياً، لنا هوية وعلاقات ومكان بين الأمم ومستقبل وتاريخ وتراث ودين وثقافة وقوانين.