آخر الأخبار :

"الإصلاح" اليمني والعبور الآمن

أحمد الناجي
أحمد الناجي
2015/09/15 الساعة 05:10 مساءً
تعد تجربة حزب التجمع اليمني للإصلاح مختلفة، إذا ما قورنت بأحزاب وحركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، ففي حين كان النقاش محتدماً بين اليساريين والإسلاميين حول الرؤى والقضايا السياسية، كان "الإصلاح" مع رفاقه اليساريين في اليمن يقف على ضفة واحدة في تكتل اللقاء المشترك، وسواء اتفقنا أم اختلفنا حول أداء هذه التوليفة السياسية، إلا أنها كانت تجربة فريدة في المنطقة العربية، أظهرت الأطراف اليمنية استثناء، وخصوصاً حزب الإصلاح الذي ظهر أقرب للبراغماتيه السياسية منه للراديكالية التي تتهم بها أحزاب إسلامية عديدة. في تلك المرحلة، كان "الإصلاح" يفرز قيادات سياسية ومجتمعية أكثر من كونها قيادات دينية، كما اعتاد عليه الناس في العشرية الأولى من عمر الحزب، وإن كان الخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي أمر شائك في بنية الحزب، إلا أنها قضية تتعلق بتركيبة غالبية أحزاب الإسلام السياسي، وليس بـ "الإصلاح" اليمني فقط. 
طوال الخمسة والعشرين عاما الماضية، كان لحزب الإصلاح حضورا ملفتا في العملية السياسية اليمنية، وكان أداؤه مثيرا للجدل، لدى مراقبين كثيرين، إذ توزعت مواقفه بين سلات النجاح والإخفاق، فمنذ تأسيس الحزب في سبتمبر/أيلول 1990 مروراً بحرب الانفصال في 1994، ثم الدخول بحكومة ائتلافية ثم الخروج منها في عام 1996، والرجوع إلى التقارب مع السلطة، بتبني ترشيح علي عبدالله صالح في 1998، ثم الوصول إلى مفترق طرق معه، وتبني خيار النضال السلمي في مواجهته، مرورا بالوقوف، وبقوة، مع مرشح اللقاء المشترك، فيصل بن شملان، في 2006، ثم الدخول في سلسلة نقاش الإصلاحات السياسية والاقتصادية مع سلطة صالح آنذاك، والتي لم تجد النور، حتى العام 2011 الذي اندلعت فيها ثورة التغيير، وشارك فيها "الإصلاح" وبقوة، ثم المبادرة الخليجية والدخول في حكومة الوفاق الوطني، مروراً بسقوط صنعاء، وما سبقها من أحداث، حتى اندلاع الأعمال العسكرية للتحالف ضد الحوثيين، كل هذه محطات في كشف حساب "الإصلاح" كانت صعبة بعض الشيء، لكن المحطة الراهنة التي يمر بها اليمن تجعلها الأكثر حرجاً على الإطلاق، وتجعل موقف الحزب حساساً للغاية، كونه أحد الأطراف الفاعلة على الأرض، بمحض الإرادة أو سلوك المضطر. 
لم يتعرّض "الإصلاح" لموجة اجتثاث، مثلما تعرّض في الفترة التي تلت سقوط صنعاء بيد الحوثيين في سبتمبر/أيلول 2014. كانت كل مبادرات حسن النية التي يتقدم بها غير ممكنة، وكان حكام صنعاء الجدد قد حسموا أمرهم، هناك إجراءات لا بد أن تتم، تتعلق معظمها بفترات سابقة، لا شأن للحاضر بها، ولن تكفر عنها مواقف اللحظة، ووصل الأمر إلى التلويح بحل 

الحزب، وكانت الأعمال التي يراها ثوار سبتمبر الجدد ضدهم لا بد وأن تضاف إليها تهمة الانتماء لـ "الإصلاح" لتهييج الرأي العام. ارتضى الحزب خيار الصمت كأقل الخيارات كلفة، وتعامى عن التمدد المسلح للحوثيين ورجال صالح خصوصاً، حيث إن المحاولات القادمة من الثورات الشقيقة كانت جميعها تبشر بكارثة. وثمة خيار واحد ممكن لم تطرقه دول الربيع العربي، ارتضاه قادة "الإصلاح" ممراً للخروج بأقل الضحايا. كانت الصورة واضحة بعض الشيء، هناك رياح دولية قادمة مع هذه الموجة، لا بد وأن تنحني لها لكي تمر، سلك "الإصلاح" هذا الممر، وكان، إلى جانب ذلك، يتمسك بقشة الشرعية، باعتبارها آخر حصون الجمهورية، لكنها كادت أن تودي به، لولا دخول متغيرات جديدة على الأرض. 
في تلك الأثناء، كانت شهيّة الثوار الجدد تتسع، يوما بعد يوم، حتى منافذ العبور قفلها الثائر من الباطن (صالح) أمام الجميع. قال، في إحدى مقابلاته، إنه ليس أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي ومن وقف معه سوى طريق البحر. لكن، ما إن وصل الحوثيون ورجال صالح إلى مدينة عدن، حتى شعرت أطراف إقليمية بالخطر، وجدت السعودية والإمارات أن من غضّت الطرف عنهم بالأمس لم يكونوا سوى شوكة في الخاصرة، وأن قرار التخلص منهم بات حتمياً. وفي أحد أيام مارس/آذار الماضي، استيقظ اليمنيون على وقع ضربات "عاصفة الحزم" لتدخل البلد في معمل صياغة الخريطة السياسية الأكثر تعقيداً. وفي الأيام الأولى لها، وقبل أن يعلن "الإصلاح" موقفه منها، شن الحوثيون وصالح اعتقالات جديدة ضد نشطائه، وكانوا يتهمونه بالعمالة في وسائلهم الإعلامية، باستثناء مغازلة طفيفة من نشطاء خط الوسط، تتعلق بالوحدة الوطنية أمام العدوان، لكن السوط كان لغة التعامل على الأرض. في هذه المرة، يبدو أنهم ساعدوا "الإصلاح" في حسم قراراته، ففي 3 أبريل/نيسان الماضي، أعلن تأييده إجراءات هادي، في استعادة الشرعية في اليمن، أي بعد اندلاع عاصفة الحزم بأسبوع. وكان في ذلك، 
يسعى إلى إبقاء مساحة للحل السياسي، لكن الانتهاكات والاعتقالات التي مورست ضد أعضائه، والتي تلت مرحلة ما بعد البيان قطعت كل السبل، وجعلت كثيرين من أفراد الحزب يشتركون مع جموع المواطنين اليمنيين في الدفاع عن مدنهم ومناطقهم ضد قوات الحوثيين وصالح. 
تسارعت الأحداث، وأصبح عديدون من أفراد "الإصلاح" جزءاً فاعلاً في المقاومة الشعبية، سواء في مدن الجنوب التي حررت، أو في مدن الشمال قيد التحرير، ما جعل أطرافاً كثيرة تتحدث عن مستقبل حزب الإصلاح ضمن المعطيات الجديدة على الأرض. أضف إلى ذلك تساؤلاً يثار حول علاقة الإصلاح بجماعة الإخوان المسلمين الأم التي تعاديها دول في التحالف، تقف، اليوم، في الأرضية نفسها التي يقف فيها الإصلاح. وقد ترجم هذا التوجس بوضوح في مقالة الكاتب السعودي، منصور النقيدان، في صحيفة الاتحاد الإماراتية "اليمن بعد التحرر.. خطر التقسيم وعودة الإخوان"، وطرح فيه مخاوف بعض الأطراف من "الإصلاح". وهناك أيضاً توجس دولي، نتج بسبب عدم انفتاح الحزب لمخاطبة المجتمع الدولي، واكتفائه بسياسة الانكفاء. في السياق نفسه، وبالتحديد داخلياً، هناك ملفات عديدة شائكة أمام الحزب، لعل أبرزها طبيعة العلاقة مع الأطراف والكيانات الداخلية، بالإضافة إلى القوى التي ستفرزها غدا الأحداث، بما فيها مستقبل العلاقة مع الحوثيين وحزب المؤتمر، وكلها ملفات مفصلية، تؤثر مباشرة في سياسة حزب الإصلاح. 
وفي الحديث عن "الإصلاح" والعبور الآمن، لا تبدو المهمة بتلك السهولة، فمستقبل الحزب على المحك، ويتوقف نجاح الخروج الآمن من هذه الأزمة، وكومة القناعات المسبقة على النضج السياسي لدى قادة الحزب، يتحتم على الإصلاح القيام بعملية تحديث لبنيته الداخلية، وتطوير أدواته التي تعبر عنه للخارج، إن أراد العبور في ظل العواصف الداخلية والخارجية. 
وللابتعاد عن مس الحقائق بقفازات، لا بد أن تُحسم علاقة حزب الإصلاح بجماعة الإخوان المسلمين. عليه أن يعلن بوضوح بأنه حزب سياسي وطني بامتياز، ولا شأن له بالجماعة. ويتحتم عليه أن يضع خطاً فاصلاً بين مزاولة الدعوة الدينية ومزاولة العمل السياسي، وأن يضع الأعمال الدعوية خارج أسوار الحزب السياسي. من المهم أيضا إفساح المجال لأصحاب الكفاءة والمهارة على حساب أصحاب الصلاح الديني، والانضباط في أداء الشعائر. 
من ناحية أخرى، حزب التجمع اليمني للإصلاح معني بأن يقدم خطاباً إعلامياً جيداً لكل فئات المجتمع وشرائحه، وعدم التغريد بعيداً عن الواقع، كما أن من شأن العلاقات الخارجية مع الأطراف الدولية ذات العلاقة، وتوضيح رؤى الحزب وأفكاره، أن تزيل اللبس، وتسمح ببناء أرضية مشتركة للخروج من دوامة التوجس. أما الورقة السياسية، وهي الأهم، فإعمال الحس السياسي في قضايا كثيرة يمكن أن يجنب "الإصلاح" فواتير باهظة الثمن.