شاعر وكاتب وصحفي/أمجد ناصر

في الأردن : الشعب لا يريد إسقاط النظام


بقلم/ شاعر وكاتب وصحفي/أمجد ناصر
نشر منذ: أسبوع و يومين و 22 ساعة
الإثنين 11 يونيو-حزيران 2018 10:36 م


الأنظمة العربية لا تستفيد من تجاربها، ناهيكم عن تجارب غيرها. بدل أن يخيفها الدم المراق على الجهة الأخرى من حدودها تخيف به شعوبها وتهدّدهم به: انظروا! تريدون دماً، تشرّداً في الأرض كهذا.

هذا ما حصل مع غير نظام عربي: النظام المصري يخوّف شعبه بالدمين، الليبي والسوري، والنظام السعودي يخوّف شعبه بالدم اليمني، قبل ولوغه فيه حتى الرُكَب، والنظام العراقي يخوّف شعبه بالدم السوري، وهكذا فعل النظام الأردني. نجح الخوف فعلاً، وأقعد الناس في بيوتهم، للأسف. ولكن لماذا؟ جوابي السريع: لأن الشعوب أكثر حرصاً على عدم إراقة الدم والدخول في الفوضى من الأنظمة التي تلبَّست الدولة، ولم يعد هناك خط رفيع يفصل بينها وبين الدولة. الناس تحب بلادها قطعا أكثر من أنظمتها، وتخاف عليها أكثر من أنظمتها التي صارت تحكم بـ "شرعية" واحدة، ولا شيء غيرها: الأمن والجيش.
الربيع الأردني لم يتأخر لحظة عن الربيع العربي. رياح التغيير وصلت إليه مباشرة من ميدان التحرير. نزل الشباب إلى الشوارع في عمّان. ولكن بشعارات مختلفة. لم يطرح الأردنيون شعار الشباب المصري الشهير: الشعب يريد إسقاط النظام. حدث هذا قبل أن يُسيل نظام بشار الأسد نهراً من دم السوريين، ويحوّل مدنهم العامرة إلى ركام. وهذا يعني أن وعي الأردنيين بسقف مطالبهم، وفهمهم تركيبة نظامهم، كان عالياً من اللحظة الأولى. أقصى شعار طالب به المحتجون الأردنيون هو العودة إلى دستور عام 1952! أي دسترة الملكية، وتحديد صلاحيات الملك التي صارت مطلقة بعد التغييرات التي طرأت على ذلك الدستور الريادي.

وهذا وعي آخر بضرورة فصل السلطات، والعودة إلى الشعب باعتباره مصدر السلطات. لم تكن هناك حركة سياسية تُرشد الاحتجاجات وتقودها. كان ذلك وعياً فردياً لدى المحتجين، بمشاركة متواضعة من بقايا الأحزاب المدنية وهيئات المجتمع المدني. لم يستجب النظام الأردني لمطالب شعبه، ولم يرفع الأردنيون سقف مطالبهم. ولكن النظام فهم الأمر على نحو خاطئ، و"ركب رأسه". استجابته الوحيدة كانت في إطاحة حكومات "لا تهشّ" و"لا تنش". حتى الإصلاح الذي بادر إلى طرحه مقابل شعارات التغيير الدستوري، تحت سقف النظام، لم يتحقق منه شيء. وبدل أن يكافئ النظام شعبه الذي حرص على الدم، وعلى ألا تدخل البلاد في الفوضى، أغرقه في الضرائب والجبايات والعوز والفقر والمرض. صار الفقراء الأردنيون أكثر فقراً، وأثرياء البلد أكثر توحشاً في ثرائهم. صار الفساد مؤسسةً حاكمة، وطاول هيئات "سيادية". تخيلوا فساداً متغوّلاً في بلدٍ شبه معدوم الموارد. بلدٍ لا يتوقّف عن مدّ يده طلباً للعون والمساعدات، مقابل أدوارٍ سياسية مشبوهة، وحراسة حدود الثروة العربية. وها هو الآن متروكٌ وحده في العراء، فيما أصحاب الثروات التي يحمي حدودها يتفرّجون عليه.

لم ترتفع نبرة مطالب موجة الاحتجاجات الأخيرة عما كانت عليه في مستهل الربيع الأردني المغدور، ولكنْ هناك متغير فارق هذه المرة. لم تعد المطالب الدستورية أولوية المحتجين، بل العيش الصرف. البقاء الآدمي. وهذا أخطر، فعندما تنتفي السياسة، ويحل محلها الجوع يصبح أي شيء ممكناً. الآن أصبح كل شيء ممكن الحدوث. ولن يغيّر تغيير الحكومات في الأمر شيئاً. الحكومات لا تحل ولا تربط في الأردن. ولا في غيره من البلدان العربية. السلطات كلها في يد رجل واحد، وهذا الرجل ليس وحده. هناك طبقة حاكمة مكوّنة من بيروقراطيي الإدارات الحكومية والأمن وحيتان المال الفاسد. هؤلاء هم النظام. وهؤلاء لن يتخلّوا، في بساطة، عن امتيازاتهم. جولة واحدة في عمّان تري المرء شعبين: غنياً، مترفاً، بلا أي هم معيشي في عمّان الغربية، وفقراً وعوزاً ومرضاً في عمّان الشرقية. لا يصدّق زائرو عمان الغربية شكوى الأردنيين الفقر والعوز والغلاء. لا يصدّقون لأنهم لا يرون لهذه الشكوى أساساً. ولكن الأردن ليس عمّان الغربية، بل ليس عمّان كلها. في الشمال والجنوب والشرق يضرب الفقر والمرض أطنابهما. فيما لا يتوقف النظام عن الجباية والتشليح. على الملك أن لا يصدّق تقارير وزرائه. وأن لا يصدّق أن موجة الغضب هذه انحسرت إلى غير رجعة. لا بدّ له من وقفةٍ أخيرة أمام شعبه. لا تتكرّر الفرص أمام الأنظمة كثيراً. هناك فرصة أخيرة لتغييرٍ تقوده أنت، لكي يبقى الأردن كما عرفته، أضعف الإيمان، عندما تسلمت حكمه. اضرب أسس الفساد، حتى لو كانت عند أقرب المقرّبين إليك. لا يمكن لك أن تحكم أنت والفساد معاً. هذه هي فرصتك الأخيرة التي يمنحها لك شعبك، فلا تضيعها ثم تبكِ عليها. فالأردنيون لا يريدون إسقاط النظام.. حتى الآن.





عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الكاتب/ ميشيل كيلوبرّي وتحرير السوريين!
الكاتب/ ميشيل كيلو
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أقلام سماء برس
الكاتب/معن البياريفي تذكّر الربيع السوري
الكاتب/معن البياري
الكاتب الصحفي/وائل قنديلعبد الفتاح مبارك VS علاء وجمال السيسي
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب/معن البياريهذا النصر الفلسطيني المعنوي
الكاتب/معن البياري
كاتب/محمود الريماويأردنٌ متجدّد يرتسم في الأفق
كاتب/محمود الريماوي
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية