استاذ/خليل العناني

ميثولوجيا الدولة العربية.. ملاحظات أولية


بقلم/ استاذ/خليل العناني
نشر منذ: 3 أشهر و 27 يوماً
الثلاثاء 20 مارس - آذار 2018 07:29 م

أعمل، منذ قرابة عامين، على مشروع بحثي حول طبيعة "الدولة" العربية الحديثة وبنيتها. وقد وضعت كلمة "الدولة" بين مزدوجين، كوني من المؤمنين بأنه لا توجد في الخبرة العربية "دولة" بالمعنى التعاقدي (نسبة إلى فلسفة العقد الاجتماعي)، أو بالمعني الويستفالي (نسبة إلى معاهدة ويستفاليا عام 1648)، وإنما ما شاهدناه طيلة القرن الماضي "محاولات" لإنشاء دولة عربية.

وكما أشرت في مقال سابق، فإن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، لأسباب جوهرية، أهمها تناقض أهدافها المؤسِسة، وخصوصاً الاستقلال السياسي والثقافي والاقتصادي عن الغرب، وفي الوقت نفسه، استلهام نموذجه النهضوي، واستخدام أدواته ذاتها، وأهمها الدولة بوصفها جهازا بيروقراطيا.

ناهيك عن السبب الرئيسي، أو هكذا أعتقد، وهو عدم إشراك المجتمع العربي في بناء دولته، وفرض الوصاية عليه من نخب سياسية وفكرية، مرة باسم العلمانية والحداثة، وأخرى باسم القومية والعروبة، وثالثة باسم الدين والشريعة. وفي كل الأطوار التي مرت بها هذه المحاولات، كانت الدولة العربية تنتقل من فشل إلى آخر، حتى وصلنا إلى مرحلةٍ أصبحت فيها الدولة أصل المشكلة وليس الحل. نرى ذلك في أكثر من بلد، كما هي الحال في سورية والعراق واليمن ومصر وليبيا والسودان ولبنان وغيرها. 

الهدف الأساسي لمشروعي البحثي هو تفكيك خطاب النخب العربية حول الدولة، وكيف تحول هذا الخطاب وانتقل من طور إلى آخر، وما هي الأسس الفكرية والإيديولوجية له، وكيف تمّ إنتاجه وإعادة إنتاجه طيلة القرن الماضي. وعلى هامش تجميع المادة العلمية للمشروع، والتي قمت بها من خلال باحثين مساعدين في أكثر من بلد عربي، لفتت نظري ملاحظات مهمة، ليست على موضوع المشروع، وهو الدولة، وإنما عن خطاب المفكرين والمثقفين العرب عنها، وتفكيرهم فيها، لعل أهمها أولاً: منطق الوصاية التي عالج بها المثقفون والمفكرون العرب مسألة الدولة، والتي تبدو واضحة في كتاباتهم وتنظيراتهم عن الدولة. وهي وصاية منبعها شعورٌ بأحقية النخب العربية في تحديد شكل الدولة وبنيتها، نيابة عن المجتمعات والشعوب العربية، من دون أن تكون الأخيرة شريكة، ولو بمقدار ضئيل، في بناء هذه الدولة.

وثانياً، منطق "الدولة المتخيلة" الجاهزة التي يجب استنساخها في المنطقة العربية، وتكاد تكون طبق الأصل من الدولة القومية التي ظهرت في أوروبا منتصف القرن السابع عشر، لكنها نسخة جامدة فاقدة للمعنى وللتفاعل بين مكوناتها، فقد حلم المثقفون العرب، وبعضهم كان في الصفوف الأولى للنضال ضد الاستعمار وضد القوى الكولونيالية، بدولةٍ عربيةٍ حديثة لديها الهياكل والبنية والأجهزة البيروقراطية نفسها التي يمكنها أن تنقل المجتمعات العربية من حالة الجمود والتخلف إلى النهضة والتقدم. وقد ظل حلم هذه الدولة يطارد النخب العربية طيلة النصف الأول من القرن العشرين، وذلك حتى نالت شعوب عربية كثيرة استقلالها، وبدأت في بناء دولتها "المتخيلة".

وثالثاً، يغلب على كتاباتٍ كثيرة نظّرت للدولة العربية النزعة الشوفينية المتمحورة حول ذات وطنية أيضا متخيلة، فالكتابات والتنظيرات العربية مليئة بالإشارات إلى الأمة المصرية، والأمة الجزائرية، وسوريا الكبرى، .. إلخ. وهو وإن كان أمراً مفهوماً في ظل حرارة الرغبة في الاستقلال، وأحياناً الانفصال، عن الدولة العثمانية، إلا أنه كان مضرّاً على صعيد ترسيخ قيم التعددية والدمج لمكونات الأمة العربية، والتي نشهد تصدّعها وتفككها حالياً.
ورابعاً، تتجاهل كتابات وتنظيرات عربية كثيرة حول مسألة الدولة الجدل النقدي المتزايد في الغرب عن الدولة مفهوما ومشروعا.

وبعضها يتعاطى مع هذا النقد باعتباره غير موجود، ولا يزال ماضياً في طرحه باتجاه الدولة المتخيلة التي لم تعد موجودة بالمعنى الكلاسيكي.

لذا، عندما صدر كتاب البروفيسور وائل حلاّق عن "الدولة المستحيلة"، كان بعض هؤلاء المفكرين والمنظرين غارقاً في قراءات قديمة عن الدولة، ولم يطلّع على الجدالات بشأن موضوع الدولة في الغرب.

لذا لم يكن غريباً أن يهاجم بعض هؤلاء أطروحة حلاّق، باعتبارها غير صالحة لتفسير الحالة العربية.
وأخيراً، تخلط بعض الأطروحات النظرية العربية حول الدولة ما بين الدولة والنظام السياسي. وأحيانا، يتم الخلط بين شخص الحاكم أو إيديولوجيته والدولة، على غرار ما يفعله بعض المتأثرين بالناصرية.

وهو أمر لا يعكس أدلجة موضوع الدولة، وتحويله إلى مسألة مقدسة، وإنما ينطوي أيضا على خطأ منهجي كبير، لا يفيد في فهم تعقيدات المسألة. وبوجه عام، يمكن القول إن الإنتاج الفكري العربي بشأن مسألة الدولة لا يخلو من إشكالات عديدة، سوف يتعرض لها صاحب هذه السطور في سياقات وكتابات أخرى قادمة بحول الله.





عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
صحفي سوري/ خطيب بدلةأبو إسماعيل لا يحب الجغرافيا
صحفي سوري/ خطيب بدلة
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
الكاتب/ معن البياري
في تعليم الفلسفة
الكاتب/ معن البياري
أقلام سماء برس
الكاتب/معن البياريفي مقتل الملك فيصل
الكاتب/معن البياري
مروان قبلانعن الدور الفرنسي
مروان قبلان
الكاتب الصحفي/وائل قنديل15 يوماً حبساً لكل مواطن
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
كاتبة وناشطة يمنية/بشرى المقطريمن مؤازرة الشرعية إلى دعم الانقلاب.. في اليمن
كاتبة وناشطة يمنية/بشرى المقطري
الكاتب/معن البياريضوء على فهد الفانك
الكاتب/معن البياري
الكاتب الصحفي/وائل قنديلانتخبوا الدبابة إذ تنافس جنزيرها
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 2015- 2018 سما برس - الرئيسية