سمير حمدي/سمير حمدي

عن توازنات السلطة في تونس


بقلم/ سمير حمدي/سمير حمدي
نشر منذ: أسبوع و 4 أيام و 10 ساعات
الأحد 10 يونيو-حزيران 2018 02:59 ص


أعلنت رئاسة الجمهورية في تونس عن تعليق العمل بوثيقة قرطاج الثانية، ولم يكن الخلاف بين القوى الموقّعة عليها متعلقا بمسائل مضمونية، أو مجمل النقاط التي تحدد خريطة طريق الأشهر المتبقية في عمر الحكومة المقبلة قبل انتخابات 2019، بقدر ما كان الخلاف المحوري مرتبطا باستمرار رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، من عدمه، وهل أن التغيير الحكومي يشمل بعض الوزارات دون غيرها، أم أن الأمر يقتضي التخلي عن الشاهد تماما، مثلما حصل مع سلفه الحبيب الصيد الذي أطيح في ظروف مشابهة.

غير أن ما جرى يكشف عن عمق التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ ثورتها، فإذا كان النفوذ والسلطة السياسيان زمن بن علي يصطبغان بصبغةٍ شخصية، لا تحدّهما سوى موجبات حفظهما، وضمان استمرارهما عن طريق ممارسة القسر والإكراه، فإن تحوّلات ما بعد الثورة التونسية غيّرت ما كان عليه النفوذ الفردي، وأضافت إليه الكثير، وأنقصت منه الكثير أيضا، فقد أضافت الدولة إلى النفوذ الفردي مؤسساتٍ توسع مجال قوة المنظمات والأحزاب. ولكن على نحوٍ يفتتها، ويجعل لها حدودا. ما يشترطه القانون وما وضعه الدستور يحد من سلطة الرئيس، وتبعا لذلك تغيّرت مواقع السلطة ومصادر النفوذ تغييرا عميقا. ومن هنا، يمكن فهم حالة "التمرّد" التي أبداها يوسف الشاهد الذي رفض الاستقالة، مبرّرا موقفه في خطاب وجهه إلى الشعب إنه لا يسعى الى التمسك بالسلطة، بقدر ما يرفض الهروب من المسؤولية، متهما حافظ السبسي، المدير التنفيذي للحزب الذي ينتمي إليه (نداء تونس)، بأنه وراء فشل الحزب، مؤكدا "أن الأزمة التي تسبب فيها حافظ قائد السبسي في الحزب الحاكم تسربت إلى مؤسسات الدولة، وأصبحت خطرا على وجودها". وربما كانت من الحالات النادرة في تاريخ تونس السياسي، وفي المنطقة العربية، أن ينقل رئيس الحكومة خلافه مع الحزب الذي جاء به إلى السلطة إلى العلن ويطرحه للرأي العام، على الرغم من أن المراقبين يدركون حالة التشقق التي أصابت الحزب الذي فاز في انتخابات 2014، وتشظّيه بصورةٍ جعلت منه شبحا لكيان سياسي كان قائما ذات يوم.

تخرج أزمة جهاز الحكم الحالية في تونس عن النطاق الكلاسيكي المعتاد، عندما كان في مقدور الحاكم المطلق إعادة تدوير المناصب، على النحو الذي يخدم مصالح استمراريته في الكرسي، لنجد أنفسنا اليوم أمام منظماتٍ وأحزابٍ، وتتصارع حيث يسعى كل طرف إلى توجيه قرارات المجموعة باتجاه مصالحه الحزبية أو الخاصة.

وعليه تظهر السلطة السياسية نتيجة للمنافسة، ووسيلة لاحتوائها. فلا يمكن إنكار حالة التنازع بين القوى المختلفة التي ساهمت في صياغة وثيقة قرطاج، حيث أن خمس قوى، هي أحزاب النهضة والمسار والمبادرة ومنظمتا الصناعة والتجارة (اتحاد الأعراف) واتحاد الفلاحين، رفضت البت في مصير يوسف الشاهد، في مقابل الحلف الناشئ وغير الطبيعي بين شق حافظ السبسي في "نداء تونس" والاتحاد العام التونسي للشغل الذي يطالب برحيل الشاهد، باعتبار أن حكومته لم تعد تمثل حكومة وحدة وطنية، بقدر ما هي حكومة أزمة سياسية، كما عبّر عن ذلك حافظ السبسي. أما رئيس الجمهورية فيبدو كأنه لم يحسم موقفه بعد من رئيس الحكومة الحالي، وهو الذي جاء به إلى منصبه، وهو ما يفسّر حالة التصلّب التي يبديها الشاهد في تعامله مع الساعين إلى إطاحته من منصبه، وإقالته وزير الداخلية المحسوب على الشق الآخر، هي مؤشر واضح على هذا التوجّه.

وإذا كان ممكنا فهم موقف حافظ السبسي في رفضه رئيس الحكومة الحالية لأسباب شخصية،وصراعات بين مراكز النفوذ داخل الحزب الواحد، فإن موقف اتحاد العمال يظل دليلا على انخراط هذه المنظمة إثر الثورة (كباقي المنظمات) في العمل السياسي، بل وتحوّلها إلى ما يشبه الحزب السياسي الذي لا يشارك في الانتخابات، ولكن يساهم في تقرير مصير الحكومات، إذا فهمنا السياسة بوصفها مجموع الجهود المبذولة قصد المشاركة في الحكم أو التأثير في توزيعه بين المجموعات المختلفة في إطار الجهاز الحاكم.

الوضع السياسي الحالي في تونس، والذي يعبّر عن حالة توازن هش بين قوى تتنازع السلطة، وعن التداخل بين القوى الحزبية التي هي، في الأصل، تمارس العمل السياسي لإدارة السلطة، وبين القوى النافذة عبر رصيدها الاجتماعي، أو المالي، يدل هذا الوضع على سيولة الحالة الانتقالية، ومدى عدم استقرارها، ويكشف عن عمق التحول الذي تعرفه تونس اليوم، فعلى نقيض الوضع الاستبدادي الذي عرفته البلاد قبل الثورة، يقوم المشهد السياسي الحالي على تعدد القوى داخل جهاز الدولة ونظامها، وهو أمر يتجاوز أحزاب السلطة، ليشمل المعارضة والمنظمات الاجتماعية التي تتمتع بقدرة التأثير والضغط والمساهمة في إيجاد التوازنات. وفي الوقت نفسه، لا يمنح السلطة التنفيذية القدرة الكافية للتصرّف من أجل إنجاز خطوات إصلاحية في المجال الاقتصادي خصوصا، فحالة عدم الاستقرار في ظل توالي الحكومات (ثماني حكومات في سبع سنوات) قد منع مؤسسات الدولة من الاستمرارية اللازمة، للقيام بالخطوات الضرورية لإعادة بناء الهيكل الاقتصادي، المتداعي نوعا ما، على الرغم مما تكشف عنه من حيوية عالية في المجال السياسي.





عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الكاتب/ ميشيل كيلوبرّي وتحرير السوريين!
الكاتب/ ميشيل كيلو
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أقلام سماء برس
كاتب/محمود الريماويأردنٌ متجدّد يرتسم في الأفق
كاتب/محمود الريماوي
الكاتب/معن البياريهذا النصر الفلسطيني المعنوي
الكاتب/معن البياري
الكاتب الصحفي/وائل قنديلحصار قطر.. نكسة يونيو الثالثة
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب/ميشيل كيلوزمن الحساب العسير
الكاتب/ميشيل كيلو
الكاتب/معن البياريحزيران تيسير سبول
الكاتب/معن البياري
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية