ذهب زهيرة زقطان
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

تتوفر مباحثُ غير قليلةٍ عن التطريز على الأثواب النسائية التقليدية، والبهيجة الجميلة، وعن تنويعاته من منطقةٍ إلى أخرى في فلسطين، وهو صنعةٌ وحرفةٌ تماما، وفنٌّ بالضرورة، تلزمه الحذاقة. صحيحٌ أن وظيفته تزيينية، غير أن هذا الأمر لا يلغي أن ذائقةً عالية الإحساس بالجمال والرّهافة لا بد من حضورها، وإلا لانعدمت تلك الروح الغافيةُ في الثقافة التي تعبر منها وفيها خيوط هذا التطريز. هذا انطباعٌ بديهي، يتأكّد فيك، وأنت تجول في معرض الأزياء الشعبية الفلسطينية في أسبوع التطريز الفلسطيني الذي نظمته مجموعة الروزنا الشبابية، في الحي الثقافي "كتارا" في الدوحة. 
ليس الأمر على هذا النحو في معرض "ذهب السابقين" للفنانة زهيرة زقطان.

أنت لا ترى زينةً، ولا حرفة يدٍ تتقن صنعتها فحسب، وإنما ترى منتجا بصريا فنيا، بمُرسلةٍ ثقافيةٍ، يقول رواية أرضٍ وشعبٍ، ينطق بما صاح به الإنسان في هذه الأرض قديما، وبصداه راهنا. وقد أحسنت "الروزنا" في استضافة لوحات هذا المعرض، النادر النوع، والعظيم القيمة، بحضور الفنانة التي تُواصل، منذ نحو ثلاثين عاما، اشتغالا، يجوز اعتباره استراتيجيا، في مشروعها الثقافي الخاص، وهي الباحثة المختصة في التاريخ الفلسطيني القديم، الكنعاني، وفي الفنون السورية والفلسطينية العتيقة، وأساطير أرض هذه الفنون ومحكيّاتها. لها كتابٌ في هذا، وقصائد ونصوص وقصص، تفيد من عوالم هذا كله ومناخاته.

هو ذهبٌ إذن. هكذا تسمّيه زهيرة زقطان، ولكن، ما هو بالضبط؟ إنه ما أضاءته النقوشُ والحفرياتُ في أرض سورية الكبرى قبل خمسة آلاف سنة، أي ما أخبرتنا به عن ناسٍ كانوا هناك، كما آلهاتٌ كثيرات، وعن سردياتٍ حكوا روايتهم فيها، وعن حضاراتٍ أقاموها. تُرانا، نتحدّث عن هويةٍ، عن ثقافةٍ، أم عن ميثولوجياتٍ تصلحُ لدرس المؤرخين والآثاريين؟ بالطبع، هو حديثٌ عن إنسانٍ كان يحبّ، وكان يقاتل، وكان يُسرج الخيول، وكان يصنع الضوء بنيرانه. كانت المرأة تنجز طقوس المكان أكثر من غيرها، وكانت أنفاسُها تلوّن تلك الأزمنة.

معرض زهيرة زقطان الجديد في الدوحة، بعد معارض عديدة في رام الله وعمّان وبيروت وبغداد وغيرها، يؤكّد لك أن في وسع الفنان المجتهد، الذي يؤصّل إبداعَه بثقافةٍ ومعرفةٍ عاليتيْن، أن يقع على مواطن للجمال لا حدود لها.

ترتحل الإبرةُ هنا إلى الماضي، وإلى العتاقة في أزمنةٍ بعيدة، لتصنع تشكيلا، وقصةً، وروايةً، ومشهدا، على القماشة البيضاء، بالخيوط المتنوعة التلاوين، الحمراء أو الزرقاء أو الخضراء، الغامقة أو الفاتحة، وفي مواضع بين هذا كله، تجد في مقطوعةٍ من محمود درويش أو من نقشٍ كنعانيٍّ أو من آيةٍ قرآنية، ما يُسعف الناظر في جلاء الإيحاء المنبسط أمامه، في امرأةٍ تبدو يداها مثل جناحيْن، عاليةً فوق، وعلى الجانبين، أدنى منها، محاربان على حصانيْن، وذلكم كله، بين قلاعٍ وأبنيةٍ تعني أن مدينةً هنا. وثمّة مربعات وأقواس ومثلثات، ونجمة أيضا، والبني الفاتح جدا، وكذا الأخضر والزيتي، ألوانٌ هادئة. عليك أن تشاهد، وتتملّى الحكاية، أو تؤلفها، أو تستشفّ الترميزات الظاهرة والخافية.

الشجر والأزهار، النساء والشموس، والفتية والكهنة، والمحاربون والعابدون، والأفراس والأحصنة، والأقواس والصلبان، والطيور والأيائل، والقدس ويافا، والأواني والأردية، والقناديل والفوانيس.

وتخطيطاتٌ ثريةٌ بلا عدد. كل هذا المطرّز وغيره الكثير تأتي به زهيرة من السابقين، ولمّا سمّته ذهبا، فإنها أحسنت التسمية، ولمّا قالت إنها تُجرجر إبرتَها على قماشتها لتقول: كنّا هنا وسنبقى، فإنها أتقنت القول.

وفي صنيعها الفني هذا، بما شعّ فيه من جمال، وما تزخْرفت به موروثاتٌ كنعانيةٌ، كانت إبرتُها تذهبُ إلى أعماق الماضي، لكي لا يبقى ماضيا، وإنما ليكون في مطرحه في ذاكرة فلسطين الحية، شعبا وأرضا.

راهنت على الجمال، على اتصال الهوية الراهنة بنسغها الثقافي، الموصول بداهةً بما كانت تسرُدُه حقول الحياة، ومعابد الأولين، وما كانت تؤلّفه الحروف والأناشيد والأساطير والأبجديات والتعاويذ، وما كان يؤدّيه حرّاس الأرض في حمايتها. وزهيرة زقطان في عالمها المتعدّد، كما شوهد بعضُه في "ذهب السابقين" في الدوحة، وبالتطريز البديع الذي أبهجنا، ويمتحُ من خيالٍ شاسع، ومن ثقافةٍ رفيعةٍ، تقترح الجمال سلاحا في مقاومة المحتلين، وفي حماية الذائقة من الرديئين أيضا.


في الجمعة 09 مارس - آذار 2018 07:02:16 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=1551