عن برنارد لويس
مروان قبلان
مروان قبلان

لا يبدو مستغرباً أن ينعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، شخصيا المفكر والأكاديمي الأميركي من أصل بريطاني، برنارد لويس، باعتباره "أحد أعظم المؤرخين المعاصرين"، على حد وصفه، وأن إسرائيل "سوف تكون دائما ممتنّة للخدمات الجليلة التي قدمها لأجلها"، وفق البيان الصادر عن رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يوم الأحد الماضي، بعد الإعلان عن وفاة لويس في مستشفى في نيوجيرسي عن عمر ناهز 101 عام.

ما هي طبيعة الخدمات التي قدمها برنارد لويس لإسرائيل، ولماذا تهتم حكومتها لوفاة مؤرخٍ مهما علا شأنه؟ واقع الأمر أن الرجل من موقعه، مفكرا ومؤرخا وأستاذا جامعيا، نذر جل حياته المهنية في الدفاع عن إسرائيل، وكان خصماً عنيداً للعرب والمسلمين في الأكاديميا الغربية، سواء عندما كان في موطنه الأصلي، بريطانيا، أو بعدما انتقل منها إلى الولايات المتحدة عام 1974، حيث عمل أستاذا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون أكثر من عقدين، ولمع نجمه فيها.

مصدر النفوذ الكبير للويس في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية كتاباته الغزيرة عن تاريخ المنطقة التي ألف فيها أكثر من ثلاثين كتابا، فضلاً عن مئات الدراسات والمقالات، كما تتلمذ عليه عشرات الأكاديميين والخبراء الغربيين، تبوأ بعضهم مناصب عليا في الحكومة الأميركية، وجديدهم ديفيد شينكر، الذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب، قبل نحو شهرين، مساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، فكان لويس بذلك مساهما رئيسيا في رسم ملامح الشخصية العربية الإسلامية في الغرب، ومؤثرا من ثم في التوجهات السياسية نحو المنطقة.

فوق هذا، أدى لويس، منذ انتقاله إلى الولايات المتحدة، أدوارا مباشرة في صنع السياسة الأميركية من خلال الاستشارات التي كان يقدمها لدوائر صنع القرار، باعتباره "شيخ مؤرخي" الشرق الأوسط وأخبر الناس به.

ويعد لويس المؤلف الحقيقي لنظرية صراع الحضارات، وقد أشار إليها في مقالةٍ نشرت عام 1990 في مجلة ذا أتلانتيك بعنوان "جذور الغضب الإسلامي"، أي قبل عامين من ظهور كتاب صموئيل هنتغتون الذي حمل العنوان نفسه. تحدث فيها عن حتمية الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب، وأن سبب ذلك يعود الى بنية الفكر الإسلامي المقاوم للحداثة ومنظومة القيم الغربية، ورفضه الاعتراف بتفوقها عليه، والإقرار بهزيمته أمامها، وأنه لا علاقة لهذا الغضب الإسلامي بالظلم أو التجربة الاستعمارية الغربية في العالمين، العربي والإسلامي. واعتبر لويس أن الصراع العربي - الإسرائيلي جزء من الصراع الحضاري الإسلامي مع التراث اليهودي - المسيحي.

في كتبه التي ظهرت بعد "11 سبتمبر"، مثل "أين الخطأ؟ الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط "(2002) و"أزمة الإسلام" (2003)، تحول برنارد لويس إلى متحمس لفرض الديمقراطية على المنطقة، يقول في كتابه الإيمان والقوة الذي صدر عام 2010: إما أن نعلمهم قيم الحرية أو أنهم سيدمروننا. .. المفارقة أنه عندما خرج هؤلاء الذين يتحدث عنهم طلبا للحرية بعد ذلك بعام، تحوّل لويس إلى خصم شرس لثوراتهم، فحرّض عليها، وانتقد سياسات الرئيس باراك أوباما تجاه مصر تحديدا، محذّرا من وصول الإسلاميين إلى السلطة. وناشد "العالم الديمقراطي" أن لا يعتبر الديمقراطية دواءً لكل أمراض الشرق، وأن لا ينخدع بشعارات الديمقراطية الزائفة التي يرفعها الإسلاميون، لأنها أداتهم في الوصول إلى السلطة، لا يلبثوا أن يرموا بها بعد ذلك.

برزت أسوأ أدواره عشية غزو العراق، عندما استغل علاقاته الوثيقة بنائب الرئيس ديك تشيني ونائب وزير الدفاع بول وولفيتز، ورموز المحافظين الجدد للدفع نحو اجتياح العراق. ويقال إنه، في أحد اجتماعات مجلس الأمن القومي الأميركي التي حضرها عشية غزو العراق، حيث دعي لإبداء رأيه، قال عبارة أخذت تُعرف بين الأكاديميين بمبدأ أو عقيدة برنارد لويس، "اضرب بقوة أو تنحّ جانبا".

ومن المفارقات أن حكومة نتنياهو احتفت قبل أسابيع بتسمية برنارد لويس أحد أهم 70 شخصية أميركية ساهمت في بناء العلاقات الأميركية - الإسرائيلية وتطويرها في الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين. لا عجب إذاً أن تنعاه إسرائيل، باعتباره أكاديمياً صهيونياً مخلصاً.


في الأربعاء 23 مايو 2018 10:44:05 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=1591